كيف نفهمُ الحرّية؟!

نارين عمر
يُقالُ إنّ الحرّية هي أجملُ شيءٍ يسعى الإنسانُ لامتلاكها والارتماء في حضنها والتلذذِ بنعيمها لذلك لا يتردّدُ أبداً في التضحية بروحه ونفسه لتحقيقها.

ولأنّها بهذه اللذة, وبهذه الفتنة فإنّ آفاقها وحدودها تتسعُ أكثر فأكثر لتشمل ما هو خارج الآفاق التي نعرفها أو نتلمّسها, فلا تعني الحرّية أن نعيشَ في وطن حرّ أو متحرّر, أو على أرض حرّة فحسب , بل هناك ما يعدّ الهامّ والشّامل أيضاً لإتمام دائرةِ الحرّية وهو تحرير المجتمع الذي يعدّ محور الحياة
والإنسان الذي هو المحورُ الذي تدور من حوله كلّ المحاور الأخرى الثابتة منها والفرعية فما فائدةُ عيشنا وتعايشنا في وطن حرّ وأغلالُ العبودية والخنوع تحاصرُ ألبابنا ونفوسنا, وأعني بها أغلال العادات والمفاهيم السّلبية التي خلقناها وتوارثناها جيلاً عن جيل.وما فائدة الاستقلالية والكينونة الذاتية إذا كنّا نستمتعُ بهما فقط  على أرض الخيال, والقول المزيّف؟والمأساة أنّ كلاً منا هو العبدُ والمعبود وهو المستغَلُّ والمستَغِلّ, وهو المأمور والآمرفي نفس الوقت لأنّه لا يملكُ حرية التصرّف في حياته وبأمورحياته المختلفة حتى في كلامه وسلامه وجلوسه ونطقه, وهو مقيّدٌ بقانون العادات والمفاهيم والمبادئ المصوّبة إليه من الآخر الذي يكون هو نفسه في عيون الآخرين ممّا يؤدّي إلى خلق بعض المظاهر التي أقلّ ما نقول عنها أنّها سلبية ومضرّة وأودّ أن أتوقفَ عند بعضها وفي حلقاتٍ متتابعة وأوّلُ مظهر أراه جديراً بالنقاش على الرّغم من أنّ كلّ هذه المظاهر هي على سويّة واحدة من حيثُ الاهتمام والأهمية هو موضوع الفتاة اليافعة المقبلة على الحياة بكلّ ما يحتضنه قلبها من مشاعر وأحاسيس, وكلّ ما يسبحُ في يمّ خيالها من أمان وطموحات وأحلام طائرة, فتبدي رغبتها في العيش كما يحلو لها, وتتصرّفَ بشؤون حياتها بما يملي عليها مقاييسُ عمرها وسنّها ولكنها سرعان ما تصطدمُ بأنياب القيود تلفّ حركتها حتى تصيبها بالشّلل فعليها أوّلاً ولكي لا تتعرّضَ لنفور الشّباب منها أن تتقمّصَ شخصية الفتاة التي يرغبُ بها هم, فالشّاب العصري تعجبه الفتاة التي يسمّيها المتحضّرة , المواكبة لمداخل العصر ومخارجه, والعارفة بمختلفِ أشكال وألوان وماركاتِ المساحيق والملوّنات والصّبغيات, المتبخترة, الدّلوعة في مشيتها, على الرّغم من إظهارهم( أي الشّباب) بمناسبة وبغير مناسبة النفورمن أمثال هذه الفتيات, وإعجابهم بِمَنْ يسمّونها هم بالفتاة المحافظة والمتزنة لذلك تضطرّ معظمُ الفتيات إلى مجاراة العصر بكلّ صبغياته وألوانه, واقتحام تيّاراته وأمواجه ومجاهله كي تنال على رضاهم, وكيلا يفوتها قطار العشرين, وما أدراك ما قطار العشرين؟! ومَنْ يفوتها قطار العشرين؟؟!
والاشكالية المرعبة التي تظهرُ هنا هي أنّ الفتاة كلما كانت أصغر سناَ اختارها مَنْ هو أكبر سناً وعمراً, وهذه معادلة غير منصفة الكفّين؟؟!! قائمة على مركب النقص الذي ينشأ عليه كلاهما:
فالشّابّ الذي تخطى حدودَ الثلاثين أو الأربعين عاماً يصرّ على أن يثبتَ للجميع أنّه مازال / ممو/ الذي تفتنّ به كلّ/ زين/, ومن ثمّ يؤكدَ على النظرية الثابتة التي طالما دغدغتْ خلايا فكره ووجدانه منذ السّاعاتِ الأولى من تسرّبِ الوعي والإدراكَ إليهما والكامنة في أنّ / الرّجلَ/ لا يعيبه شيءٌ في الحياة لا العمر ولاالشّكل, ولا حتى المضمون أحياناَ.
بل انّه كلما ازداد شيباً ازداد وقاراً.
أمّا بالنّسبة للفتاة فإنّ ثوابتَ المعادلة سرعان ما تهتزّ في الاتجاه المعاكس, فهي كلما تقدّمَ بها العمرُ عامّاً كلما أحدثَ هذا التّقدّمُ خدشاً في هالةِ الإعجابِ والرّغبة التي تحيط بها وتصونها, والعام الذي يليه يُحدِثُ تصدّعاً وهكذا إلى أن تنظر من حولها فلا تجدَ أثراً لتلك الهالة, بل سراباً تظلّ العمر تتوه في زوبعته.

والفتاةُ الشّطورة الذكيّة التي تستطيعُ اصطياد فارس مغوار تواجه وبعد الانتهاء من مراسم الخطوبةِ والزّفاف وخلافه…..

عوائق جديدة تكون واقفة لها بالمرصاد فهي قد تركتْ بيت أهلها وغادرته كعضو دائم وفعّال إلى مجرّد ضيفٍ عليه التزام حدودِ الضّيافة, لتبدأ رحلتها مع المرحلة الثانية والأهمّ من حياتها وإنّها كما هجرتْ دار أهلها عليها أن تهجر الكثير من العادات والطّباع التي كانتْ قد تأقلمتْ معها, وتبدأ بالتوافق والتأقلم مع الواقع الجديد ولكنّ المشكلة التي تعترضها هنا أنّ عليها أن تتأقلم مع الوضع الجديد وتتعوّدَ عليه من دون أن تُمْنَحَ وتُعطى فرصة للتدريب والاكتساب ومن هذه المشكلة تتولدُ عشراتُ المشاكل.
وهنا تجدُ نفسها أمام خيارين اثنين أحلاهما مرّ فإمّا الغرقُ النفسيّ والمعنوي, وإمّا الإنقاذُ الظاهريّ والماديّ.
وطبقاً لذلك نجدُ أنّ معظم الفتيات يتزوّجنَ وهنّ مسلوباتُ الحرّية والاستقلالية على الرّغم من مظاهر الحرّية الزائفة التي ننادي بها………..

 

وللحديث بقية

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…