البذور التي رويت بمياه حمراء نمت وتفتحت براعمها

عيسى حسو

هناك في تاريخ كل شعب لحظات ونقاط تحول تاريخية تلعب دوراً بارزاً في تقرير مصير الشعوب وتحديد مستقبلها.

مثل الاستسلام والفناء ، مثل الانبعاث والوجود ثانية من بين براثن الفناء والزوال.

وهناك أيضاً الذين يوجهون الشعوب ويرشدونها في مثل هذه المرحلة الحساسة ويديرون وجهة التطورات نحو الأمام ، ويطلق العلم عليهم اسم بناة التاريخ.

والتاريخ نفسه شاهد على هؤلاء الأبطال وعلى بطولاتهم .

إنهم غصن الأمل في الاستقلال، المزدهر والممتد إلى ربيع الحرية .

إنهم مثل البذور المنثورة في تربة مباركة عاشقة للشعب والذرى والفجر.
لم تعد الأمور غامضة كما كانت فربما احتاج هذا إلى وقت ما ، ولكن هناك سنة للحياة ، فالحياة وجدت من أجل الجميع.

ومع ذلك فهناك من يعذّّب ومن يتعذَّب في هذه الحياة والعذاب والشقاء يفرضان على الإنسان، حيث يكون هناك تناقض صارخ أو خلل تام.

ولكن هذه المأساة هل ستظل أبدية أزلية على مر العصور؟ وهل حققت هذه القوانين المفروضة أهدافها ومراميها؟ فمن ينظر إلى حقيقة التاريخ واستمرار يته سيجد الجواب وستتراءى له الحقيقة الكامنة كلها.


إن أوامر العراك والاحتدام تشتد حيناً، وتلين حيناً آخر، وبين هذين القطبين المتناقضين المتناحرين لا يتوقف الصراع أبداً بل أصبح سنة وقانوناً للحياة ، للاستمرارية على مختلف المراحل وعلى مر التاريخ بين الطبقات المظلومة والطبقات الظالمة ، بين الشعوب المحرومة المستضعفة وبين ظالميها الطغاة، ولكن هناك انتصار لأولئك الذين يدركون معنى الحياة ويشعرون بقيمها، و انحسار وهزيمة للطرف الآخر الذي يستغل هذه الحياة ويخرجها من معناها …الحقيقي.
فمنذ فجر الإنسانية وبزوغ شمسها وحقيقتها أمام الأعين والمترسخة في الأذهان ، لقد حصل العديد من المعارك والحروب الطاحنة والصراعات الدامية لأجل الوصول إلى الحياة الحقيقية ، وهكذا فإن الحياة التي تحققت جزئياً بمعنى من المعاني لدى بعض الشعوب جاءت تراكماً وعزة لهذه النضالات المريرة والدؤوبة والتي لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا.

وشعبنا أحد هذه الشعوب المظلومة.

فقد كانت كل خطوة عاشها شعبنا معركة بحد ذاتها.

معركة من أجل الحياة وعراك مستديم في سبيلها ورغم انه لم يحقق شكل الحياة الذي يريده إلا أنه لم يرضخ أو يقبل بأي شكل من أشكال الحياة المفروضة عليه.

باختصار شديد لم يكن هناك سوى خيارين اثنين، إما القبول والرضوخ لحياة العبودية وبالتالي الفناء، وإما تبني المقاومة وقبولها شكلاً للحياة ومجابهة كل العراقيل والصعاب.
لقد فرضت الأنظمة التي تتحكم بالشعب الكردي قيوداً شديدة الوطأة وقوية لدرجة كاد أن يجعل هذا الشعب في طيات النسيان وكأن ليس له أي وجود على الإطلاق.

واستمرت هذه الأنظمة بممارساتها الوحشية تسرح وتمرح ردحاً طويلاً من الزمن دون أن يدري أحد حقيقة ما يجري في كردستان.

ورغم وجود بعض البوادر الفردية الايجابية في هذا المجال، تتناول كفاح الشعب الكردي وتكشف عن المظالم وحملات الإبادة والمجازر التي ترتكب بحق الشعب الكردي لم تروّج بما فيها الكفاية وظلت محصورة في إطار ضيق حتى لا تكون منفذاً لإطلاع الرأي العام بمجريات الأحداث الجارية في كردستان.

فقط كان الطريق مفتوحاً أمام أولئك الذين أظهروا مشروعية ما تقوم به الأنظمة وإنها (دفاع عن النفس) وما يقوم به الشعب الكردي أمر لا يقبله العقل والمنطق.

فقد جرى تشويه الحقائق وتم إظهارها بشكل مناقض تماماً.

والغاية منها، هو تشويه سمعة هذا الشعب ونضاله بين الشعوب الأخرى وخلق ميول معادية له.
ولكن شعبنا الذي ثابر في كفاحه ونضاله استطاع أن يفرض عدالة قضيته وأن يكسبها البعد الإنساني ليرتقي بها إلى مصاف أهم قضايا العصر التي تواجه الإنسانية.

فشعبنا بمقاومته البطولية وإصراره على التحدي، استطاع أن يخرق هذا الحصار المفروض عليه وأن يعيد الحقائق إلى مجراها ويزيل عنها التشويه المفروض.

 
فمن غير الممكن فهم كل أبعاد التاريخ الذي سطره شهداء (pkk) خلال نضالهم بسهولة؛ وخاصة في هذه المرحلة بل في يومنا الراهن حيث أن تاريخ البشرية يعلمنا بأننا لن نكون مخطئين لو قلنا: إن فهم اللحظات التي مرت بها الثورات ستأتي في الغد؛ في الأيام اللاحقة حيث تتضح ثمار هذه اللحظات بشكل أفضل وبكل أبعادها.

وقد بدأ التاريخ فعلاً بتأريخ صفحات جديدة حافلة بالبطولات والأبطال والمقاومات العظيمة والتي ستستمر حتى تحقيق النصر.

كتب هذا التاريخ بالدم وعرق الجبين وقوافل الشهداء وبأحرف من نور.

ومما لا شك فيه أن الذين يسطرون هذا التاريخ يعالجون كل لحظة منه وهم يعون تماما العمل الذي يقومون به والماضي الذي يجب أن يدكوا عروشه والمستقبل الذي يجب أن يبنوه .
من هذا المنطلق فإننا بصدد حقيقة ستبقى عرضها وتحليلها مهمة ملقاة على عاتق الأجيال اللاحقة.

ولكن في الوقت نفسه ونظراً إلى أن الأجيال اللاحقة ستعيش وتتمتع بالمكاسب التي حققها هذا العمل في التاريخ المبني على أساس علمي بحت ، وقد أعطى كل ثماره ليس بالنسبة للشعب الكردستاني فقط ، بل بالنسبة لشعوب الشرق الأوسط بأكمله وباستطاعتي القول للبشرية جمعاء.

وسترى هذه الأجيال وتسلم بأسطع الأشكال.

أي شرف يتمتع به هذا العمل وأصحاب هذا العمل.

وسترى أيضاً كيف وضعت بذور الحياة التي أتت ثمارها لهم ، وكيف رويت هذه البذور بمياه حمراء إلى أن نمت وتفتحت براعمها ، سيعرف ذلك من خلال الوثائق والمستندات.

كذلك سترى الآلام والمعاناة.

والدماء التي سكبت.

وملاحم البطولة التي سطرت .

وروح الانتقام في مقاومة الخيانة وعشق الإنسانية وقيمتها ، سترى كل ذلك وخصائص هذه الحياة التي تحققت لهم على بيدر هذه الحياة نفسها.

أجل.

إننا نعيش اليوم مرحلة إعداد طينة هذه الحياة وبناء صرحها لبنة تلو الأخرى.

وتعجن اليوم طينة هذه الحياة بالأظافر وتجبل بالدماء.

ولم يعد من أحد يذكر أو يتذكر الآلام والدموع ، بل بات شعبنا بأسره يعيش حماس هذه الحياة بتبصر المستقبل الذي سيبنى بهذا العمل الجبار الذي نقوم به لأنه بات من المحتم أن المستقبل سيكون للشعب الكردستاني المقاتل والمطالب تحت قيادة (pkk) العظيمة ، وهي الحقيقة الساطعة أمام الأعين الآن .


قامشلو

 24/1/2010م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…