كلمة وفاء في ذكرى مناضل.. في أربعينية الراحل محمد ملا أحمد «توز»

صلاح بدرالدين
 

     أتوجه الى عائلة وذوي ومحبي ورفاق وأصدقاء الراحل بهذه الكلمات النابعة من القلب في لحظة أعادتني عقودا من السنين الى الوراء وفاء لذكرى أستاذ وصديق ورفيق فقد عرفته للمرة الأولى عندما كنت تلميذا في مدرسة صلاح الدين بقامشلو وهو معلم واذا لم تخنني الذاكرة كنا في العام الدراسي 1959 – 1960 وكنت حينها رغم صغر عمري عضوا حزبيا (الحزب الديموقراطي الكردستاني – سوريا) في أول خلية كان منوطا بها بناء التنظيم في مناطق شرق قامشلو وكان لدي احساس بأنه حزبي مثلي بل مسؤول أيضا حيث كان الظرف حساسا وجهاز المكتب الثاني برئاسة العقيد – حكمت مينة – نشطا يرصد مناضلينا ويزج بهم في معتقلات التعذيب
 وتشاء الصدف وفي أحد الأيام خلال التنفس في الساحة شاهدت الأستاذ خارجا من غرفة المدرسين باتجاه المرافق الصحية ووقعت من جيبه ورقة ملفوفة فتناولتها وفتحتها – حبا للاستطلاع – واذا بها قصيدة (وطنية باللغة الكردية) لشاعرنا الراحل الكبير – أحمد نامي – وهي من المحظورات التي تؤدي الى الاعتقال فانتظرته لحين عودته وناولته الورقة قائلا : هذه الورقة لك فأخذها بحذر وبعد أن سألني عن اسمي ومكان اقامتي زال الحذر من معالم وجهه وأصبحنا – أصدقاء – من بعيد في المدرسة وشهدت السنوات التالية زيارات متبادلة بيننا وتعرفت على والده وكان شخصية وطنية بارزة مصقلا بتجربة نضالية غنية وبأخيه الشاب الأنيق السيد عبد الرزاق ثم سكنا أنا وأخي عبد القادر لمدة عامين في غرفة بمنزلهم بقصد الدراسة بسبب صعوبة الطريق (غير المعبد) حينها خاصة بفصل الشتاء بين المدينة وقريتنا جمعاية (تبعد خمسة كيلومترات عن المدينة) وأصبحنا يوما بعد يوم من الأصدقاء المقربين في اطار العلاقات الحزبية المتينة.

  بعد انطلاقة كونفرانس الخامس من آب عام 1965(حيث استقل الجناح اليساري القومي الديموقراطي) كان الأستاذ أحد القياديين القلائل من الرواد الأوائل القريبين منا والمتعاطفين مع نهجنا ومن الذين كانوا يحظون باحترامنا والاستماع الى آرائهم بين الحين والآخر وبعد المؤتمر الأول صيف 1966 – (الذي انعقد في مزرعة أحد الأصدقاء الكائنة على طريق قامشلو – حسكة) وقد تكون هذه المعلومة مفاجأة للبعض خاصة من شبابنا – كلفتني القيادة بعد نقاش مقترح من جانبي شخصيا وموافقة الجميع بمفاتحة الأستاذ من أجل الانضمام للقيادة وبعد مدة ليست بالقصيرة وافق وحضر عدة اجتماعات وأصبح عضوا مرشحا للمكتب السياسي ثم تقرر منحه العضوية الكاملة الا أن اتصل بي ذات يوم مبلغا قراره المؤسف بترك العمل الحزبي نهائيا لأسباب خاصة وبعد الحاحي عليه لبيان السبب الحقيقي فأوضح لي بصراحة بعد أن اشترط علي عدم البوح به لأحد ومازلت ملتزما بعهدي حتى الآن (قد أبحث الموضوع مستقبلا اذا اقتضت المصلحة العامة).
      لقد قدم الأستاذ خلال حياته خدمات وتضحيات في سبيل قضية شعبه ومن أجل تعزيز كفاح الحركة الكردية وتعرض للاعتقال والمساءلات والتهديدات والحرمان من العمل الوظيفي كما ساهم في تطوير الثقافة القومية وأبدى اهتماما كبيرا في السعي الى كتابة تاريخ الحركة والحزب وامتازت أراءه ومواقفه بالموضوعية خاصة بما يتعلق بكونفرانس الخامس من آب وقضايا الخلاف بين اليمين واليسار حول تعريف الكرد والعلاقة بالسلطة والمعارضة وطبيعة الحزب وأساليب النضال وقد أثارتشخيصه لبنية ومظاهر الخلاف في كتبه ودراسته الطويلة حول ذلك حفيظة السلطات والسائرين في ركابها (بعد لجوئه الى ألمانيا الاتحادية وخلال زيارته عدة مرات وبحضور عقيلته شرح مفصلا انواع تلك الضغوطات) الا أنه سار من دون تردد بحثا عن الحقيقة حتى آخر أيامه كما صدر له كتاب عن جمعية خويبون قامت رابطة كاوا للثقافة الكردية بطبعه وتوزيعه اضافة الى أعمال أخرى حول الشأن القومي.
       حتى الآن ومنذ أكثر من قرن بل ومنذ مأساة الجنرال شريف باشا الذي فارق الحياة وهو مشرد في شوارع باريس (استقيت معلومات موثقة حول هذا الموضوع من الباحث والناشط الكردي السوري المقيم بباريس الصديق عقيل) وقد كتب على الكثيرين من نخب شعبنا من مثقفين وسياسيين ومفكرين الحرمان والهجرة والتشرد وكتب على شبابنا وهم الأمل والرجاء التوجه نحو ديار الشتات والمنافي في حين أن موقعهم الحقيقي بين شعبهم وعلى أرض وطنهم أحرارا معززين مكرمين مدعومين من أجل المزيد من العطاء والابداع في الأجواء المناسبة كما هو حاصل في المجتمعات المتحضرة الديموقراطية وبمناسبة استذكار ابن شعبنا البار الأستاذ محمد توز وفي حضرة مجلسه الموقر أقول أن الأهم من كل شيء وفي هذه اللحظة التاريخية الاستثنائية في حياة شعبنا وسائر شعوب المنطقة هو أن لانفقد الأمل بالمستقبل وأن نعيد ترتيب وبناء هويتنا الثقافية ونرمم ونجدد ونوحد قوانا السياسية ونطرح برنامجنا للسلام والتعايش ونصقل خطابنا الموحد ونبني تحالفاتنا المبدئية السليمة ومن موقع القوي مع شركائنا في الوطن لنحقق سوية التغيير المنشود ونتظلل تحت خيمة الدولة السورية التعددية الديموقراطية المنشودة وهو أمر غير بعيد المنال في المناخ الدولي الاقليمي المتحول بسرعة فائقة في عصرنا الراهن.
  القيام بواجب الوفاء للرواد الأوائل ولكل من قدم كثيرا أو قليلا لشعبه دليل عافية وأصالة .
  دمتم ودامت ذكراه العطرة في القلوب

·  أضيفت الجمل الموضوعة بين قوسين لمزيد من الاستعلام .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبد الجابر حبيب من المؤسف أن نسمع في هذا العصر خطابات تكفير وتحريض تصدر عن بعض رجال الدين، والأشد إيلاماً أن يكون صاحبها كردياً، فنرى رجل الدين الكوردي رامين صالح زادة يدعو إلى تكفير الإيزيديين، وهم أبناء شعبه ووطنه. فعندما يصبح المختلف في الدين عدواً لمجرد اختلافه، نكون قد ابتعدنا عن روح القرآن، و اقتربنا من خطاب الكراهية الذي لا…

البلاغ الختامي لاجتماع اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا عقدت اللجنة المركزية لحزبنا، الحزب الديمقراطي الكوردستاني – سوريا، اجتماعها يوم الأربعاء الموافق 12/8/2026، في مدينة قامشلو، وعبر الأونلاين للرفاق الذين لم يتسنّ لهم الحضور فيزيائياً، حيث بدأ الاجتماع أعماله بالوقوف دقيقة صمت على أرواح شهداء شعبنا والثورة السورية، وعلى روح البارزاني الخالد، والشهيد الحي إدريس بارزاني. تناول الاجتماع القضايا…

د. محمود عباس من أكثر ما أثار انتباهي في الأحداث الأخيرة أن بعض الإخوة الكورد انساقوا، من حيث لا يشعرون، وراء سلّم الأولويات الذي رسمه الإعلام السوري والعربي. انشغلوا بإقدام شابين كورديين على إسقاط العلم السوري، وارتفعت أصوات الإدانة وكأن هذه الحادثة هي جوهر ما جرى، بينما تراجعت إلى الخلفية الجريمة التي سبقتها وأسهمت في إشعال الاحتقان: الاعتداء على المهجّرين…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…