الرئيس الموريتاني يجرح مشاعر أربعين مليون كردي

*إبراهيم يوسف
elyousef@gmail.com

نشرت جريدة الخليج الإماراتية، وعلى الصفحة 27 من عدد يوم الاثنين 2 نوفمبر 2009، صفحة أخبار وتقارير، وعلى لسان مراسلها في نواكشوط خبراً بعنوان “ملاسنات بين الرئيس الموريتاني وصحافيين”، ومما جاء في الخبر: إن الرئيس الموريتاني السيد محمد ولد عبدالعزيز، قد هاجم “وفي أول لقاء له مع نقابة الصحفيين، نظم، أمس، في القصر الرئاسي بنواكشوط، بشدة الصحافيين الموريتانيين المستقلين ووصفهم بـ “البيشمركة” واتهمهم بالطمع، والسّعي للتكسب بطرق غير شرعية.

وحسب مصدر حضر اللقاء، فقد رد أحد الصحفيين الغاضبين قائلاً للرئيس: إن “البيشمركة يا فخامة الرئيس هم أعضاء حكومتك التي عينتها، وكذلك التعيينات الأخيرة التي قمت بها في أوساط من لايحملون كفاءة، وإنما كانوا من المتسولين”.
وإذا علمنا أن كلمة بيشمركة تطلق على المقاتل الكردي، وهي مؤلفة من –بيش- أي مقدام، و –مركه- أي المرج، وهي مقابل كلمة –الفدائي- في العربية.
ولعل إقحام السيد الرئيس لهذا المصطلح في غير مكانه، بغرض الإساءة للصحفيين، لتكون كلمة بيشمركي مقابل صفات: الطمع، والجشع، والسعي للتكسب بطرق غير شرعية، وهي استفزاز، وإساءة إلى مشاعر الكرد، الذين يقدر عددهم بحوالي أربعين مليون نسمة، موزعين حسب خريطة المنطقة الحالية، في تركيا- إيران- العراق- سوريا، وإن هؤلاء الكرد يعيشون أباً عن جد منذ آلاف السنين في وطنهم، وهم أبعد سكان الأمم عن الصفات غير الحميدة التي خلعها عليهم السيد ولد عبدالعزيز، ولعلّ أكبر دليل على –غيرية- الكردي المترسخة في سايكولوجيته، إنه رغم حضوره اللافت –إسلامياً- إلا أنه كان أكثر من تمثل روح الإسلام، وتشرّب بها، وأخلص لها، كما يقتضي جوهرها الحنيف، دون التفكير ببسط نفوذه على موطنه الذي باتت تتقاسمه الآن عدة دول في آنٍ واحد حسب التوزيع السياسي الذي طرأ للمنطقة…!
ولعل ما يسجل لكرد العراق، الذين لهم الآن –بيشمركة- منظمة، بعد أن قاومت على مدى عقود سياسات التطهير القومي التي مورست بحقهم، فإنهم اتخذوا موقفاً مائزاً أثناء إسقاط نظام صدام حسين، رافضين الاستقواء بالأجنبي، بل مؤكدين حرصهم على وحدة العراق، وإن بشكله الفدرالي، دون أن ينصرفوا لبناء جدار بينهم و شركاء الخريطة، كما كان يتوقع لأول وهلة، ولعبت قوات البيشمركة بعد انحلال الجيش العراقي دوراً وطنياً للحد من إراقة دماء أخوتهم أبناء الوطن، وقد دفعوا ضريبة  ذلك المزيد من أرواح هؤلاء البيشمركة الشجعان، الذين وصفهم المستشرقون قديماً وحديثاً، ومن بينهم الأرمني أبو فيان الذي قال عنهم أنهم فرسان الشرق.
كما أن ما هو أكثر إيلاماً، أن يرد أحد الصحفيين الموريتانيين الغاضبين، في اللقاء نفسه، على سياسات الرئيس ولد عبدالعزيز، بأن البيشمركة يافخامة الرئيس هم أعضاء حكومتك!، وهذا ما يدفع إلى اليقين بأن هناك تشويهاً في غير محله لصورة الكردي –عموماً- والبيشمركي- خصوصاً في أذهان بعضهم، ساسة ومثقفين، وهي قراءة غير دقيقة، متجنيةـ نتاج عقل لايريد الخير للكرد والعرب معاً، حيث يمكن التأكيد بأن علاقة الكرد بالعرب ظلت من أرقى العلاقات التي تربط العرب بأخوتهم في الدين، وإن معرفة  حقيقة أن هذا البيشمركي هو من أحفاد محرر –القدس- صلاح الدين الأيوبي، فهي ترفع من مكانة هذه العلاقة التي ظل الكرد حريصين عليها، رغم اكتوائهم بالسياسات التمييزية من قبل بعض السلطات العربية، وكانت ترمي إلى ذوبانهم ضمن بوتقة قومية أخرى، غير قوميتهم، كما خطط لذلك الراحل ميشيل عفلق، وكذلك كنتاج كارثي استعلائي، لم يجن منه مترجموه إلا المزيد من الكوارث والدمار.
ومن هنا، فإن مهمة كبرى هي الآن، أمام المثقف العربي، بشكل خاص، من أجل ردم الهوة بينه وشريكه الكردي، والتجسير بينهما، رداً على الفكر الإلغائي تجاه الكرد، والذي يدعو لصهرهم في بوتقة العروبة، وإمحاء خصوصيتهم.
إن ما بدر عن السيد محمد ولد عبدالعزيز ليس زلّة لسان كما قد يقال، بل هي نتاج ثقافة معينة، وعقل معين، وهو تجن من قبل الشخص الأول في بلد عربي، على علاقة متميزة تمتد لبضعة عشر قرناً، بين العرب واخوتهم الكرد، وكان من نتائجها أن الكرد أسهموا في رفد الثقافة العربية بآلاف الأسماء من المبدعين والشعراء والكتاب والمشاهير، على امتداد ذلك الشريط الزماني، ناهيك عن أن الدم الكردي كان عبر كل المحطات، حاضراً في الدفاع عن أخوته العرب، ولنا في التاريخ القديم، بل والحديث، وحتى هذه اللحظة الأمثلة الساطعة.
ومن هنا، فإنّه لحري بالرئيس الموريتاني محمد ولد عبدالعزيز أن يقدم اعتذاره من الكرد، الذين جرح مشاعرهم بالإساءة إلى شخص –الفدائي- الكردي الذي يعدّ من ألمع الرموز القومية والوطنية، وهو ما نقوله بالنبّرة نفسها للصحفي –الغاضب- الذي “رمى” المقاتل الكرديّ بكلمة نابية، دون أي ذنب افترفه هذا الأخير بحقه، وبحق رئيسه على حد سواء، مع أن هذا الكردي-في الحقيقة- هو في موقع الثناء على دوره، مادام أنه في أقل تقدير، يعد من حماة خريطة العراق، في أصعب لحظة مرّ بها هذا البلد على الإطلاق، بل وفي كافة أماكن وجوده، أينما كان.
* كاتب كردي سوري
———–

راجع جريدة الخليج- الاثنين 14 ذي القعدة 1430 هجري- 2 نوفمبر 2009- العدد 11124- ص 27 “أخبار وتقارير”

أرسلت لجريدة الخليج جاء الرد من الشخص المعني: من الصعب نشرها، أعني آراءك….!

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين هل كنا نحتاج لاثني عشر شهرا حتى نفهم ما حصل؟ هل اصبح الوقت بلا قيمة لهذه الدرجة؟ هل الوضع السوري الدقيق ما بعد سقوط الاستبداد يتحمل هذا العبث بالحالة الكردية السورية؟ هل ما يحتاجه الكرد اليوم إعادة انتاج المشهد الحزبي الفاشل بدلا من طيه بعد المراجعة النقدية؟ هل فعلا ان وحدة الكرد متوقفة على تلاقي مراكز حزبية كانت…

الأخبار الكوردستانية الكوادر التي فُرضت على مؤسسات وبلديات روج آفا من قبل قنديل لم تكن كوادر مؤهلة ولا تمتلك أي أساس إداري أو مهني. أغلبهم من كرد باكور، بلا شهادات، بلا خبرة، وبلا أي معرفة بإدارة مجتمع أو مؤسسات، سوى دورات أيديولوجية مغلقة تُدرَّس في كهوف قنديل، قائمة على تمجيد فكر أوجلان، وهو فكر منسوخ أصلاً من كتابات يالجين كوجوك….

كفاح محمود   لم يكن سقوط نظام الرئيس صدام حسين في التاسع من نيسان 2003 نهايةً فعليةً للدكتاتورية في العراق، بقدر ما كان انهيارًا لشخص النظام ورموزه الأكثر فجاجة، فيما بقيت في العمق ذهنيةُ الإقصاء والغلبة ومصادرة الدولة لصالح فئةٍ أو حزبٍ أو جماعة، وما جرى بعد ذلك لم يؤسس، كما كان مأمولًا، لدولة مواطنة حديثة تنقض إرث الاستبداد، بل…

شادي حاجي الحيرة التي يعيشها الشعب والأحزاب والنخب الثقافية والمجتمعية الكردية اليوم ليست حالة عابرة ، بل انعكاس لأزمة أعمق بكثير من مجرد غياب “ صيغة سياسية ” جامعة . فالمشكلة لم تكن يوماً في نقص المؤتمرات والاجتماعات أو الوثائق ، بل في تراكم انعدام الثقة ، وتضارب المصالح الحزبية والشخصية والارتباطات الكردستانية والاقليمية ، وتباين الرؤى حول شكل حل…