المجلس السياسي الكردي في سوريا ضرورة لا بد منها*

شلال كدو

منذ مدة طويلة نسبياً، يدور حوار ساخن بين ثمانية احزاب كردية في سوريا، بهدف تشكيل مجلس سياسي ينضوي تحت لوائه الاحزاب المتحاورة فيما بينها، لتكون بمثابة مرجعية يوحد الخطاب السياسي الكردي، وكذلك الحراك الميداني للجسد الرئيسي للحركة الكردية، الذي لا بد من تفعيله في ظل اشتداد وتيرة الاضطهاد، وتوالي المشاريع العنصرية والقرارات الاستثنائية واحدة تلو الاخرى، بحق الشعب الكردي في محاولة من قبل السلطات الحاكمة، لاخلاء مناطقه، وبالتالي تغيير ديمغرافيتها وتطهيرها عرقياً، ولا شك ان الغاية من المرسوم / 49 / كغيره من المشاريع العنصرية، هو لتحقيق هذا الهدف ليس الا.
لقد شكل هذا الحوار منذ انطلاقته الاولى، بارقة امل لقطاعات واسعة وكبيرة من الكرد السوريين في كل مكان، لانه يعد بمثابة خارطة الطريق للخلاص من حالة التشتت والانقسام الحاد، الذي يعصف بالحركة السياسية الكردية منذ عشرات السنين، وكان ولا زال هذ المشروع والحراك الذي يشتد ويتراخى من اجله، موضع ترحيب لدى مختلف شرائح المجتمع الكردي في كردستان سوريا، لان من شأن هذه المشروع في حال انجازه، ان يخرج الجماهير الكردية من دوامة اليأس ومن شبح الانشقاقات المتكررة، وكذلك من ظاهرة الابتعاد عن حركتها السياسية، التي لا بديل لها، رغم علاتها ونواقصها العديدة، التي لا يمكن بأي حال من الاحوال، ان تنحصر في مقالة او زاوية اسبوعية، كهذه التي بين ايدينا.


الا ان طول امد الحوار بشكل مفرط لا مبرر له لبته، وبات يخلق اجواء سلبية هنا وهناك، ربما يعكس سلباً على الجهود المبذولة منذ فترة ليست بوجيزة، واصبحت تتعالى بعض الاصوات ومن لدن بعض الاطراف المشاركة في الحوار بالذات، تعبر عن استيائها البالغ من المماطلة والتسويف وطول الانتظار، لذلك لا بد لكل المعنيين ان يعملوا ويبذلوا اقصى جهودهم المخلصة، من اجل تسريع الخطى لتحقيق الهدف المنشود، الذي من شأنه ان يؤدي الى اوسع التفاف من الجماهير الكردية حول هذا المجلس دون غيره من الاطر ان وجدت، او في حال تشكيل اطار آخر، كردة فعل ربما من قبل البعض الذين لا يريدون الخير للحركة الكردية.
لقد حازت هذه الفكرة ومنذ لحظات ولادتها الاولى، على دعم وتأييد كبيرين ليس من قبل الكرد السوريين وحدهم فحسب، بل من لدن معظم القوى السياسية في اجزاء كردستان الاخرى الثلاث، حيث يبدي الجميع بمناسبة وغير مناسبة تأييدهم المطلق وحماسهم الشديد لهذا المشروع، وليس مستبعداً في حال تمكن الاحزاب المتحاورة من انجاز مشروع المجلس السياسي، ان يحذو الكرد في اجزاء كردستان الاخرى حذو الكرد السوريين، بالرغم من انهم يعتبرون الاخ او الشقيق الاصغر، لكن هذا الامر لا يمنع قطعاً من ان يستفاد اشقائهم الكبار من تجاربهم، اذا كان لديهم تجارب جيدة وناجحة في هذا المضمار.


ان الواجب القومي والوطني يملي على الاحزاب المتحاورة فيما بينها تسارع خطواتها، وبذل اقصى الجهود الممكنة للتوافق على نقاط الخلاف المتبقية بينها، كما ان الافراط في اطالة امد الحوار، لا يخدم بكل تأكيد الاهداف المرجوة من جولات الحوار الماراثونية، بل على العكس تماماً.

وان انجاز هذا الاطار، سيعد بحسب المراقبين والمهتمين بالشأن الكردي السوري، اكبر واهم انجاز للحركة الكردية في سوريا، ان لم نقل الانجاز الوحيد او اليتيم، بعد سلسلة الاخفاقات والانتكاسات، التي استمرت لاكثر من اربعة عقود من الزمن.
 انطلاقاً مما تقدم، فأن المجلس السياسي المزمع تشكيله، ضرورة حياتية للحركة السياسية الكردية في سوريا لا بد منها، وان اي انتكاسة او تراجع عن هذا المشروع، سوف يؤدي بكل تأكيد الى اتساع الفجوة بشكل مرعب ومخيف بين الحركة وجماهيرها، واقل ما يقال هو ان الافكار، التي تدور في بعض الاوساط، والتي تقول بأن الكرد في كردستان سوريا يفتقرون الى حركة تقود نضالاتهم، سوف تصبح حقيقة ساطعة، لا يستطيع اي شخص التهرب منها، مهما كان متحزباً ومناوراً ومتخندقاً مع هذه الجهة او تلك.

* افتتاحية العدد 67 من جريدة الامل الصادرة في اقليم كردستان والمنشور بتاريخ 20 / 10 / 2009

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…