عندما يصبح الخداع و التضليل نهجاً راسخاً

زيور العمر

توقعت قبل يومين من تاريخ التجمع الجماهيري الذي كان من المزمع تنظيمه في القامشلي , أن يقوم حزب يكيتي الكردي في سوريا , بالتراجع عن قراره , و يلغي النشاط من أساسه.

و قبل يوم واحد فقط من الموعد المقرر , أصدر يكيتي بياناً , يعلن فيه تعليقه للنشاط , في إنتظار قيام السلطات السورية بالإيفاء بوعدها , المتمثل في ترتيب لقاء مع القيادة السياسية , لإجراء حوار ديمقراطي بهدف إيجاد حل للقضية الكردية في سوريا.

شككت منذ البداية في نوايا حزب يكيتي , و أهدافه من التجمع الجماهيري في القامشلي.

قرار التعليق , الذي يماثل الإلغاء عندنا , كان بمثابة صدق و صحة ما كنا نرمي إليه , و ذلك من منطلق معرفتنا , بظروف الحزب , و إمكاناته , و قدراته في الوقت الراهن من جهة , و نظراً للتاريخ الحافل من الخداع و التضليل و محاولات التلاعب بمشاعر الجماهير من قيادة الحزب لصالح أجندة حزبية صرفة من جهة أخرى.
إذاً , قرار الإلغاء , كان مقرراً من بين جملة من الإحتمالات الأخرى , و لكنه كان الأقرب الى التوقعات.

الجهة التي دفعت في إتجاه إقرار ذلك النشاط  أدركت في اللحظة الأخيرة أن ما ستجنيها من التجمع الجماهيري , لا يستحق , و لا يجب أن يؤدي الى مواجهة مع النظام , لأن نتائجها قد تكون باهظة .

قرار التعليق أو الإلغاء ربما يكون تصرفاً مسؤولاً و واقعياً في ظل إختلال موازين القوى السياسية , بين النظام و الأحزاب الكردية .

و لكن ما لا يجب السكوت عليه هو , الذرائع و المبررات الغريبة التي جاءت في بيان يكيتي : تعليق النشاط , بعد وعد من السلطات , بترتيب لقاء مع القيادة في دمشق , لإجراء حوار ديمقراطي من أجل القضة الكردية في سوريا .
متى وعدت السلطات السورية بشئ , و وفت بوعدها ؟ و هل تعتبر السطات السورية الأحزاب الكردية أحزاب سياسية شرعية , حتى تلتقي بها, و تجري حوارا معها ؟ و هل يوجد في سوريا مجرد هامش ديمقراطي , حتى يتم إجراء حوارديقراطي حول أية مسألة وطنية , و من بينها القضية الكردية , التي تشكل معالجتها و إيجاد حل لها ترمومتر أي عملية ديمقراطية ؟ و أخيراً هل أبدت السلطات السورية في يوم من الأيام عن إستعدادها للنظر الى القضية الكردية على أنها قضية شعب له حقوق يجب تلبيتها ؟
لا شك أن لا أحد سيتردد في الإجابة عن هذه الأسئلة بالجملة , و بكلمة واحدة و هي : لا .
إذاً , حاول يكيتي أن يلتف على الجماهير الكردية , و أن يسوق ذرائع و مبررات مضللة , عن فشله و خيبته .

المؤكد أن السلطات السورية تحدثت و خاطبت مسؤولي يكيتي بلهجة التهديد و الوعيد في بادئ الأمر , و عندما تبين لها , أن هذه اللغة أدت دورها , حرصت من منطلق ممارسة سياسة العصا و الجزرة , ان لا يعود قيادة يكيتي الى منازلهم فاضي الوفاض كما يقال , فاقترحت عليهم إسماع صوتهم الى القيادة السياسية في دمشق , بدلاً من الزعيق و الصراخ اللذين لن يجديا نفعاً مع الدولة , فأعطت وعداً بترتيب لقاء لهم في دمشق , و هكذا بإستطاعة يكيتي أن يبرر موقفه أمام رفاقه و جماهيره و الأحزاب الأخرى , من أن مجرد التلويح بعصا الأنشطة الجماهيرية , جاءت الجزرة , و هي على شكل لقاء سياسي , لا يوجد أدنى ضمان على أنه سوف يتحقق .
المهم أن الكارثة التي كان الممكن أن تحدث , لم يحدث , هكذا سيقول قادة يكيتي , بعد أن يتبين بعد عدة أيام , أن ما وعدت به السلطات السورية كان مجرد كلام ليل لا أقل و لا أكثر , و أنهم حاولوا بكل الإمكانات المتواضعة أن يقفوا في مواجهة سياسات النظام و إجراءاته العنصرية بحق الشعب الكردي في سوريا .


و لكن على قادة يكيتي أن يعرفوا جيداً أنهم أخطأوا كثيرا , و تجاوزوا كل الحدود في خداعهم و تضليلهم .

وإذا كانت الغاية تبرر الوسيلة , فإننا نقول أن الغاية من التجمع لم يكن هدفاً نبيلاً و أخلاقياً على الأطلاق , و لا الذرائع و المببرات الزائفة التي حاولوا تسويقها , تصرفاً مسؤولاً أيضاً , و ما عليهم إلا أن يعيدوا النظر في هذه الممارسات و السلوكيات , التي لن تؤدي إلا الى المزيد من الإنكسارات و الإخفاقات المتراكمة على مر العقود .

12/10/2009  

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…