x.kalo59@hotmail.de
ليكن مدخل الحديث إلي هذا المقال من هذه الحكاية وقد جرت في زمن نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا العظيم حين وقع على لائحة ترقية عدد من الضباط لديه واستثنى منهم واحد فقط وحين علم الضابط بأن القائد قد رفض الموافقة على طلب الترقية أعترض على الموقف بعريضة كتب فيها شارحاً له الأسباب الموجبة للموافقة ومذكراً إياه الأيام الصعبة والحروب التي شارك فيها معه خلال تلك السنوات في خطوة من الضابط لكي يسترعي انتباهه وعطفه فرد عليه نابليون مكتوباً على ذيل عريضته قائلا لقد شارك ـ بغلي ـ معي في كل هذه المعارك أيضاً.
ما هلك قوم وتعثر جماعة إلا وكان ورائها قائد أرعن أو بليد ضعيف في مجال السياسة التي هي محرك الشعوب وصانعة أمجادها والساهرة على أمنها و الضامنة لمستقبلها فلها رجالها القوامون عليها في كل زمان ومكان قادرين على إدارة الأزمات وفي مختلف الظروف الصعبة.
لقد انحصر العمل في هذا المجال على رجال معدودين في كل بلد ولدى كل شعب ونقصد بالقائد السياسي المحترف المبدع والمبادر الحكيم وليس جنود السياسة والعاملين تحت أمرة القائد أو الزعيم وإلا استطاعت النساء الثيب والأطفال ممارستها في الأحوال الطبيعية ولبقيت حينها البشرية تعيش عصورها الغابرة الحجرية وما وصلت إلى ما هو عليها من تطور وازدهار.
وعلى كل حال لا يمكن ممارسة السياسة والخوض في غمارها وسبر أغوارها وتحمل مسؤولياتها أمام التاريخ بهواية وبدون إتقان فنونها و معرفة أسرار حرفتها فما لم يكن الشخص مبدعاً وحكيماً وشجاعاً سيكون دائما النتائج النهائية لعمل هكذا سياسي غير سار فلا سياسة بدون شجاعة وتصبح مبتورة الأجنحة ما لم تقترن بالحكمة والتضحية والنظرية الفكرية السليمة وتبقى في النهاية فن الممكنات فهي لا تقبل نظرية الاحتمالات كثيرا وأحكامها قطعية لا تقبل الخطأ فكل خطأ يودى بصاحبه إلى التهلكة وخاصة إذا ما كان يعمل السياسي على جبهات ساخنة وغريمه عدو شرس علماً إن إدارة الصراع تتطلب جهداً وامتلاك القوة والاستعداد في مطلق الأحوال فلا مكان لضعيف في الساحة السياسية وإن وجد أمثال هؤلاء الضعفاء سيكونون بائسين حالهم أشبه بالعجزة والمتسولين على جسر قامشلو وأقبح صورة في السياسة عندما تجد في الواجهة سياسي بائس يجذب العاطفة ويثير الشفقة وهو ممثل للحقوق ويدافع عن عدالة قضية فلا يوجد في هذه الدنيا عدالة وحقوق ما لم يكن يرافقها عصا غليظة فالحق موجود مع ضربة المخباط ( doqik) وإن الله مع المدفع الأقوى وليس مع الحق سوى الضعفاء ولا أحد يلتفت إلى هؤلاء فلو أجتمع مليون ضعيف ستبقى نتيجة اجتماعهم لا شيء لن يهابهم قوي واحد وهذا ما يلاحظ في شوارعنا فرجل بوليس واحد يقود الآلاف من الكرد في حياتهم اليومية بما لا يشتهون ولا يحترمهم أحد من أكبرهم رأساً ومؤخرة (حجماً وليس مكانة) إلى أصغرهم وكثيرا ما يجلب رجل قوي واحد الانتباه ويشغل حيزا ويملأ فراغ ويحسب له كل الحساب في كل المواقف والأحداث والأزمنة فالأسد يتحرك بمفره غبر الأدغال والسهول لا يهاب الصعاب كونه قويا أما حركة آلاف النعاج معا لا يردون ذئبا جرباناً كونها جميعا ضعفاء.
إن وظيفة السياسة السليمة والحكيمة التعبئة دائماً في مسيرة عملها وإيجاد مصادر القوة باستمرار وهي متعددة وكثيرة ونعلم أن ألد أعداء السياسة هو الضعف وليس العدو أو الجبهة التي يحارب عليها أبداً .
بالمقارنة عما سبق من الكلام وما هو متبع وقائم لدى الشعوب الأخرى لا توجد من يمتلك كثيراً من مزايا وصفات القادة الحقيقيين بين ظهرانينا وهم جالسين على رأس الهرم ربما وجد أحدهم هنا أو هناك فكان له التأثير الواضح وترك بصمات على المسار العام لحركة السياسية الكردية ولكن وجود أعداد هائلة ممن يدعون بأهليتهم في القيام بالمسؤولية تجاه المرحلة ومن دون حراك حقيقي وتمكين ذاتي جعلت نسبة التضخم في التبعية والتصوف السياسي وانتهاج الطريق التحزبي عالياً فتتالت الأزمات التنظيمية المتلاحقة دون مقدرة الزعماء ومساعديهم على الحل حتى فقدت السياسة هيبتها واحترامها وتناست الحقوق والهدف الذي نشأت من أجلها فأصبح الحزب والتحزب هو الغاية والمسعى فبقدر ما انشغلت السياسة الكردية بالمسائل التنظيمية والحفاظ على ذات الحزب وصرفت الجهد والمال الكثير ومقابلها لم يصرف ربع الجهود من أجل الهدف الحقيقي ودارت الأيام ومرت السنين إلى أن خلقت جيش من المرابين والمغالين و الانتهازيين والبيروقراطيين في إدارة الشأن السياسي ويديرون السياسة من خلف الطاولات وعلى الهاتف الجوال والانترنت تقليدا للمستبد وبنفس الثقافة كثر الليبراليون على الساحة يبحثون عن مقاعد شاغرة ـ على مبدأ ما في حدا أحسن من حدا ـ وأصبحت عقدة القيادة تلازم الجميع حتى في الفراش كموضة سياسية جديدة مع الهروب من المهام الكبيرة التي تستدعي التضحية والشجاعة والمبادرة على حساب الحقوق والمسألة القومية فضاقت السبل والأحوال على المخلصين والوطنيين وذوي النفوس السليمة ولكن مع الأسف الشديد كانت الغلبة للمزيفين وللهواة واختطفوا إدارة الواجهة من أصحابها الحقيقيين وكان ما كان.






