إيران.. التضليل في قم

  طارق الحميد

مع كشف النظام الإيراني عن بناء منشأة نووية جديدة في إيران، دخل المجتمع الدولي مرحلة جديدة، أكثر تعقيدا في التعامل مع نظام طهران، إذ بلغت التقية السياسية الإيرانية حدا غير مسبوق حين قامت طهران بتضليل المجتمع الدولي وبناء المنشأة النووية الجديدة في قاعدة عسكرية بمدينة قم.

وبالطبع فإن لهذا الأمر مغزى واضحا، حيث يتضح مدى استغلال طهران للدين.

وتتضح ملامح المرحلة الجديدة بين إيران والغرب من ردود الفعل الدولية يوم أمس وتحديدا من قبل الأميركيين والفرنسيين والبريطانيين.

فبعد أن علمت إيران بانكشاف أمر المنشأة النووية الجديدة للاستخبارات الأميركية والفرنسية، بادر النظام الإيراني إلى إرسال رسالة للوكالة الدولية للطاقة الذرية يعلمها ببناء تلك المنشأة
 مما دعا زعماء كل من أميركا وفرنسا وبريطانيا للخروج عن برنامج قمة العشرين في بيتسبيرغ الأميركية للتنديد بشكل قاس بتصرفات إيران وصلت إلى حد قول رئيس الوزراء البريطاني غوردن براون إن «مستوى التضليل» الإيراني قد «أدهش وصدم المجتمع الدولي»، مضيفا أنه لم يعد أمام الدول المعنية أي خيار سوى «رسم خط واضح» أمام طهران.

أما الرئيس الفرنسي ساركوزي فقد اعتبر أن إيران «تأخذ المجتمع الدولي في مسار خطير»، مضيفا أن هناك «أزمة ثقة مع إيران، وكل شيء يجب أن يوضع على الطاولة».

هذا التطور يعني أنه من الصعب الآن تصديق النظام الإيراني، أو الثقة بنواياه، سواء دوليا أو تجاه منطقتنا.

وانعدام مصداقية النظام الإيراني يعني أن فرص الإسرائيليين قد باتت أقوى بالتأثير على أميركا، أو الدول الغربية.

فإسرائيل منذ البداية تقول إن التفاوض مع طهران ما هو إلا مضيعة للوقت، وهذا ما قاله بعض الزعماء الغربيين أمس في فحوى تصريحاتهم، وبالتالي فإننا أمام تصعيد خطير لقضية الملف النووي الإيراني، مما يعني أن كل الاحتمالات باتت واردة بما فيها الضربة العسكرية.


الخطير، والمهم، في التضليل الإيراني هذه المرة، هو أن موقع المنشأة النووية الجديدة في مدينة قم، وكما أسلفنا فإن لذلك مدلولات خطيرة، إذ يعني ذلك أن النظام الإيراني يريد استغلال مكانة تلك المدينة لدى أصحاب المذهب الشيعي، فعند توجيه أي ضربة عسكرية للمواقع النووية الإيرانية، سواء من قبل إسرائيل أو غيرها، فإن ذلك سيضفي على الضربة بعدا دينيا خطرا.


ومن هنا نستطيع أن نفهم مدى التجييش الطائفي الذي تقوم به إيران بمنطقتنا، والعالم العربي، والإسلامي كافة، حيث تسعى إيران للعب دوما على البعد الديني، والتشييع السياسي، والذي يعني أن طهران تسعى لاستغلال تلك المشاعر وتوظيفها في معاركها الخاصة للسيطرة على المنطقة، وليس وفق منطق ديني فقط، وإنما بدافع سياسي تستغله لاختراق الدول العربية والإسلامية.


المنشأة النووية الإيرانية الجديدة دليل آخر على صعوبة الثقة بالنظام الإيراني، كما أنها تذكير جديد لدول المنطقة بخطورة المشروع الإيراني برمته، وضرورة الحذر، والتنبه لمطامع وتحركات إيران في منطقتنا.


tariq@asharqalawsat.com

جريدة الشرق الأوسط

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عدنان بدرالدين إذا كانت الحلقة الأولى قد بيّنت كيف تبدأ فرضية «ديمقراطية الضرورة المُدارة» بين نقد ماركس لبراءة الديمقراطية الشكلية ودفاع آرندت عن السياسة بوصفها فعلًا لا يجوز اختزاله في الإدارة، وإذا كانت الحلقة الثانية قد أضافت، مع فيبر ونيتشه، عنصرين حاسمين هما الوعي بأن السياسة بلا ضمانات، والشك في أن الحياد لغة بريئة حقًا، فإن هذه الحلقة الثالثة تصل…

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…