المصالحة أم المعالجة؟

كفاح محمود كريم

     في مقال سابق تحدثنا عن تجربة إقليم كوردستان العراق وكيفية تعاطيه مع مخلفات النظام السابق من مؤسسات وميليشيات عسكرية ومئات الآلاف من المرتزقة والوكلاء الذين فضلوا البقاء في الإقليم المحرر بدلا من الهروب إلى مناطق نفوذ النظام سواء بنية حسنة أو بأمل عودة النظام السابق.

فقد كانت الأمور في غاية التعقيد عشية انتصار الانتفاضة أمام الإدارة الجديدة في الإقليم قبل إجراء الانتخابات وانبثاق المؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية وأول تلك الأمور كيفية التعامل مع هؤلاء الذين أفرزهم النظام وتركهم في الإقليم بعد هروبه وانسحاب إداراته سواء من مرتزقة أو من أعضاء في حزبه ممن اختاروا البقاء كما ذكرنا آنفا.
   حقيقة كانت الأمور تجري باتجاه الانتقام وتصفية الحسابات على خلفية تلك الجرائم التي اقترفها هذا الحزب ومنظماته وأجهزته الخاصة وتاريخهم المعروف في بالدموية والعنف والإرهاب، وقد حصلت فعلا بعض عمليات الانتقام من ذوي الضحايا أثناء الانتفاضة واقتحام أوكار ومقرات البعث وأجهزته ولكن سرعان ما تمت السيطرة عليها وإيقاف تلك العمليات ومنح القضاء فرصته لممارسة صلاحياته القانونية، بل إن الكثير من منتسبي ذلك النظام وأجهزته ممن لم يقترفوا أعمالا إرهابية واضطهادا للسكان تمت حمايتهم من قبل قوات الانتفاضة ونقلهم إلى مناطقهم خارج الإقليم مع ذويهم وما يمتلكون بسلام وأمان.

   إن تجربة الإقليم مع ارث النظام السابق لا تقع في تقديري تحت سقف المصالحة الوطنية بل هي معالجة وطنية لكيفية التخلص من ذلك الإرث ومعالجة تلك البقايا بعيدا عن الانتقام وبأسلوب تربوي أو قضائي   لاستئصال تلك الأورام وتنقية الجسد وتطهيره، ولذلك فان ما حدث في   الإقليم لم يك تصالحا مع تلك القوى أو تفاوضا معها على أي شيء بل إنه عالجها كحالات مرضية تحتاج إلى علاج وإعادة تأهيل لكي تعاود دورة حياتها بشكل طبيعي بعيدا عن سلوكيات وعقلية ذلك النظام وأمراضه وعقده، حيث اشترطت العملية أصلا التخلي كليا عن ذلك النهج واعتباره أثم وعار شخصي واجتماعي وأن العودة إليه تعتبر خيانة عظمى للشعب والوطن ومما شجع على ذلك هي القناعة الشعبية لدى أوساط واسعة من الناس على اعتبار تلك السلوكيات عار شخصي يصيب صاحبه بالخزي، وإن ما يجري من ترتيب الأوضاع مع تلك البقايا والأجهزة ليس مصالحة كما يتصورها البعض، إذ أن المصالحة تأتي بين أطراف وطنية مختلفة في أدائها وطريقتها ووجهات نظرها لتحقيق نفس الأهداف أو على الأقل من اجل مشتركات وثوابت كثيرة وليست بين نظامين مختلفين تماما ونموذجين متباعدين بل ومتصارعين على طول الخط أولهما حزب البعث بكل تعريفاته المعروفة عبر أربعين عاما من تجربته في العراق وأسلوبه الدكتاتوري والشوفيني والثاني هو النظام المناقض له تماما في النهج والفكر والممارسة والذي يعمل العراقيون جميعا لبنائه منذ انهيار وهزيمة ذلك النظام ومن ثم سقوطه.

     إن ما يطلق عليه بالمصالحة الوطنية ربما يعني تقاربا بين أطراف العملية السياسية وفعالياتها المختلفة في ما بينها بسياقات الإدارة أو الحكم  والبعيدة كل البعد عن النظام السابق والطاهرة من آثامه وعاراته ونهجه التدميري وليس تصالحا مع أولئك الذي دمروا البلاد وقدموها على طبق من ذهب للمحتلين وعصابات الإرهاب والجريمة المنظمة في كل العالم، وأي محاولة لإعادة تصنيع الماضي ومنح النظام السابق أو بقاياه تحت أي ذريعة كانت فرصة اختراق أو الاندساس إلى العملية السياسية ستؤدي إلى تشتيت العراق وتمزيقه وربما إلى قيام صراعات حادة تؤدي إلى حرب أهلية تجهز على ما تبقى من البلاد.

  ما يحتاجه العراق اليوم هو معالجة وطنية لبقايا النظام السابق وليست مصالحة وطنية كما يتصور البعض أو انتقام وتصفيات لا تحقق الهدف السامي للتحول الذي يجري في المجتمع العراقي، معالجة لتطهير تلك الأنفس من شرورها ونزعاتها العدوانية وسلوكياتها المنحرفة بأسلوب تربوي يبعدها تماما عن مصادر إعادة الحياة لثقافتها الهدامة في الإدارة أو الجيش أو الأمن الداخلي، أو بأسلوب قانوني قضائي بعيد عن ثقافة الانتقام والعنف والإرهاب، بما يؤهلها أي تلك البقايا من الحزبيين العقائديين أو المرتزقة من موظفي حزب البعث ومؤسساته الخاصة في الدولة والتي عرفت بالأجهزة الخاصة ومعظمها قوات أمنية ومخابراتية بحتة، لإكمال دورة حياتها بعيدا عن تلك الأمراض والسلوكيات التي كادت أن تدمرها وتدمر البلاد معها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…