ماقاله عادل اليزيدي أخيراً في حوار غير متلفز

إبراهيم اليوسف

لم ألتق بالمناضل عادل اليزيدي، إلا مرة واحدة، خلال حياتي، وكان ذلك اللقاء قد تم في جلسة، بحضوره، والمناضل الراحل عصمت سيدا، والشاعر محمد علي حسو، وآخرين ، قبل ثلاثة عقود ونيف، وذلك في محل للخياطة، كان يديره الشاعر محمد علي حسو،  وتركز الحديث – كما أتذكر- حول اعتقاله، آنذاك، و حول دراسته الجامعية، وإحدى طرائفه، التي لا تزال عالقة بذاكرتي، عن المرحوم والده، حين طلب محمد علي حسو منه، أن يعيد روايتها له، لأنه كان قد سمعها منه، أو من سواه، كما يبدو، وربما عن أمور أخرى لم أعد أتذكرها.

بعدها لم ألتق بهذا المناضل، الذي لم أعرف عنه إلا القليل، إلى أن أتيح لي ذات مرة أن أتابع حلقة تلفزيونية، عن القضية الكردية، في فضائية الجزيرة، و كان المناضل الراحل أحد ضيفي الحلقة.
ولعله- في الفترة تلك- كان من يرافع، في الشاشة الصغيرة، عن القضية الكردية،  من بنيها- جدّ قلة- وهو ما كان يدفعنا لأن نغتبط، حين وجدنا في أ.

عادل اليزيدي مرافعاً، شجاعاً، في طرح آرائه، مدركاً لرسالته، يحمل ثقافة تؤهله لخوض غمار الحوار، لاكما بعض الأميين الذين نشعر بالخجل، إزاءهم، حين يقبلون ب-دعوات توجه إليهم-  ليمثلوا القضية الكردية، على هذه الفضائية، أو تلك، فيقفز أحدنا من مكانه ، وهو يتابع الحوار على الشاشة الصغيرة، محاولاً اختراقها، لتلقينه، بدهية، يعرفها القاصي والداني، من أصحاب القضية، ويجهلها ذلك المتنطع للدفاع عن أهله، وهو أكبر من يسيء إليهم، من أعداء القضية، مع تقديرنا لنواياه- النوايا التي جعلت الكرد في آخر عربات قطار الأمم، رغم أن من بينهم من قادوا-  مركبة التاريخ قروناً تلو قرون، ومن بيننا من لا يزال فاعلاً، مهيأً لذلك…!.

أتذكر أن حوار أبي شيرو-في إطاره العام-  كان مدار اعتزاز بالنسبة إلينا، يكاد لا يشوبه سوى ملاحظة عابرة- آنذاك- لم أكن لأوافق عليها، في قرارتي، بيد أن الحوار بقي في إطاره العام، إحدى المرافعات المهمة جداً-حتى الآن- عن الكرد.

أجل، لم يتكرر اللقاء بالمناضل الراحل، بعد ذلك اللقاء اليتيم، الذي تم في منتصف السبعينيات، وإن كنت سأسمع-لاحقاً- صوته الرجولي الجهوري، عبر مفاجأة هاتفية، بعد إحدى مداخلاتي التلفزيونية، قبل بضع سنوات، يبدي خلالها موقفاً لا أنساه، وهو ما سيتكرر في محطات عديدة أو عقب مقالات سأنشرها، يبدي رأيه، الذي صرت أترقبه بين حين وآخر.

أتذكر، لقد تحدث إلي عبر الهاتف- مرات عديدة في ربيع العام الحالي- معزياً إياي برحيل والدتي، كي يصل من الرياض إلى الشارقة شقيقه نوروز –في اليوم التالي- يقدم العزاء إلي، باسم الأسرة، بحضور أبناء الجالية الكردية الذين وقفوا- بكل ما يمكن أن يجسده الوقوف المعنوي- معي، وبعض أفراد أسرتي، الذين كانوا معي، فخففوا عنا ألماً استثنائياً، هو ألم فقد عزيز من الأسرة، حين يكون المرء بعيداً عن مسقط الرأس، وهو نفسه، الألم، الذي شعرت به، وما زلت، وأنا أتلقى خبر رحيل هذا المثقف والسياسي الكردي، بعيداً عن أرض وطنه، حتى ولو كان ذلك المكان أحد أجزاء كردستان – نفسها- وهي التي لجأ إليها أبوشيرو، أخيراً، عندما أحس بدنو لحظة الأجل، واستحالة السفر إلى مسقط الرأس، والذكريات، والأحلام،حياً، بعد أن تجرع علقم الغربة، مخططاً تماماً- لما لا نجرؤ على التفكير به- وهو: أين سيلفظ أنفاسه الأخيرة، وكيف سيعود إلى تراب رأس العين” سري كانيي” مجرد جسد، أنهكته الغربة، وكوابيس الألم وسياطه التي  تجلد الروح ألف مرة في النهار.

-2-

لقد كنت أفكر بأنني في يوم 9-9- 2009سأكون في الشارقة، بين طلاب سأقوم بتدريسهم، وهم من مختلف عناوين الخريطة، بل يتحدرون من حوالي مئة وثمانين ملة من ملل الأرض، بيد أن  الظروف التي تتحكم بحركة من يتنطع للشأن العام، جعلتني أتأخر عن هؤلاء الطلاب، الذين بدأ عامهم الدراسي منذ نهاية شهر آب الماضي، لينتهي توتري في انتظار التمكن من السفر، أو عدمه، بهذا الخبر الأليم، وأنا الذي أنتظر هذا اليوم منذ أكثر من عشر سنوات، لأرى ما سيحل فيه، إلى أن هتف إلي صديقي الكاتب حسن مشكيني ليقول لي فيه: أسمعت ما حدث اليوم؟ فاضطربت وازداد خفقان قلبي، في انتظار إجابته، وأنا أكررعليه: لا … لا تقلها……!، لأجد أن كل ماقاله لي عن أبي شيرزاد صحيح، وأنا أستقبل مع أصدقاء لي جنازته، بل و نتابعها منذ لحظة عبورها نقطة ربيعة، الحدودية، كي يقول للمعبر ذاته: ها أنا ذا أتيت..!، بل ونسير في هيبة بالغة، وراءه- ولا أريد أن أقول :خلف نعشه- صوب مقبرة مدينته، التي احتضنه ترابها، وبات يضمه أمام أعيننا، دون أن ننصرف إلى فهم رسالة موته الأخيرة إلينا، الرسالة التي أشار إليها أحد مشيعيه، كي نختلف في من الأحق منا به: وهو الذي قال كلامه الفصل، وأشار إليه الشيخ عبد القادر الخزنوي، في كلمته، حين علمنا –جميعاً- أنه لا حاجة له بالتلقين، أو قراءة الفاتحة، لأننا أحوج إلى كل ذلك، بل وإلى الصلاة علينا، ما دمنا على هذا النحو، ننسى المصاب بمناضل من طراز اليزيدي، كي  نجعل من موته أحد إنجازاتنا الحزبوية، وهو الذي توصل إلى قناعة ذهبية، فلم يغد مع أحد منا فرادى…..

فرادى، بل معنا…… مجتمعين…..

أجمعين…………!

-3-

 ليس لدي ما أقوله أكثر، في غياب هذا المثقف، والمناضل المخلص، أكثر من:
-تعالوا اقرؤوا موت عادل اليزيدي، ولنر ملامحنا – تماماً- في مراياه، ورسالته الأخيرة، ودعونا نتحاور -بعد ذلك- حول كل شيء…!

قامشلي

11-9-2009

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…