المرسوم التشريعي رقم /49/ لعام 2008 ليس له…. بل عليه ؟!

  فيصل يوسف

لقد قيل الكثير حول خلفيات صدور المرسوم التشريعي رقم/49 /تاريخ 10 /9 /2008 ،والذي يمنع حق التملك والبيع والشراء والاستئجار والرهن، وما إلى ذلك في المناطق التي صنفت بالحدودية ومنها محافظة الحسكة بكاملها، والجهة الشمالية من ريف محافظة حلب، إلا عبر إجراءات  أمنية وروتينية قاتلة، هذا إن تمت الموافقة، وهو ما لا يحصل غالباً، لكن مختلف التقييمات والدراسات  التي قدمت من قبل  قوى سياسية، ومنظمات ولجان حقوقية، واجتماعية، قد  أجمعت على النتائج السلبية للمرسوم على حياة الناس المشمولين به، ولاسيما الكرد منهم، المكبلون أصلا ً، برزمة من السياسات التمييزية المطبقة بحقهم، التي زادات أحوالهم، من سيء إلى أسوا.
إن  من المتعارف عليه، وفي سياق طبيعي على مستوى دول العالم ، “بأن القوانين والتشريعات تتبدل وتتغير تبعاً لتطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتأتي لتحقيق مصالح الأكثرية من الناس وتسهل أمورهم الحياتية، وتنظيم علاقاتهم مع السلطات، بأسهل الطرق  وأنجع السبل، و تسعى للتخفيف من الروتين القاتل، وتأمين مصلحة الوطن، في الأمن والاستقرار”.

 إلا إننا وفي حالة المرسوم التشريعي رقم /49 /المذكور، نلحظ مفارقة مناقضة للمنطق والأعراف، فهو لا يعكس حالة تطورية، بل تراجعاً ملموساً على الضد، من مصلحة المواطنين المشمولين به، وانعكس ذلك على أحوال البلاد بشكل عام، بحيث أن الحكومة  قد أقرت في توصياتها، بناء على تقارير موفديها لمحافظة الحسكة،  بضرورة تسهيل وزارة الإدارة المحلية لإجراءاتها التطبيقية عند تنفيذ المرسوم، إلا أنه وعلى الصعيد العملي، لم يطبق أي شيء في هذه المنحى، بل أن المفاعيل السلبية للمرسوم، تفعل فعلها، لحظة بلحظة، دون أن تحرك الحكومة ساكناً.
لا شك أن الحكومة – وهي تقر بالآثار الكابحة للمرسوم على عملية التنمية – لم تأت بذلك  من فراغ ،بل أن مختلف الفئات والطبقات في محافظة الحسكة، وكلُ حسب المنبر المتاح له، حزبياً أو نقابياً،  في إطار الجبهة الوطنية التقدمية الحاكمة، أو المعارضة الوطنية الديمقراطية، ومنظمات حقوق الإنسان، والوفود الشعبية بعرائضها الكيلو مترية، المكتظة بالتواقيع، قد أوضحت للجهات المعنية النتائج الكارثية لهذا المرسوم، على أوجه حياتهم المختلفة،  لكن كل ذلك راح دون جدوى، حتى الآن فلا حياة لمن تنادي …!؟  .
لن نستطرد كثيراً في تفاصيل المعاناة، من النتائج السلبية للمرسوم /49 / والتذكير بها، فهي بادية للعيان، من قبل المسؤولين في الدولة، و كل المهتمين بالشأن العام، حيث أحدث شللاً شبه تام في قطاعات خدمية وإنتاجية ، مختلفة، في المناطق المشمولة به، زاد على أثرها أعداد العاطلين عن العمل، وازدادت الهجرة إلى دمشق وضواحيها، والعمل في ظروف صعبة جداً، وهم في غالبيتهم من الكرد، لأن معظم مناطق سكناهم قد اعتبرت مناطق حدودية، وشملها المرسوم، وهو ينزع عنهم حق التملك ومتتبعاته، ويحرمهم من حقوقهم الدستورية، ومساواتهم بباقي المواطنين السوريين، ويشكل عقبة كأداء أمام سوية الاندماج الوطني، والوحدة الوطنية، وإضافة تشريعية جديدة في سجل الظلم والاضطهاد، المتبعين بحقهم .
 الآن وقد انقضى سنة على صدور المرسوم التشريعي 49، فمازالت  الحكومة تصم آذانها، عن صرخات الاستغاثة، ولم تطرح حتى تاريخه ، أي حل لما يعانيه المواطنون المشمولون به ،  حتى بعد ان تبين لها على ارض الواقع ، كل سلبياته على حياتهم المعيشية ،ويؤكد معظم القانونيين بمخالفته للدستور، في مواد عديدة، لأنه يلغي حق التملك والتقاضي وسيادة القانون على الحاكم والمحكوم، مما يستوجب على الحكومة ان تعير اهتماماً بضرورة الاهتداء بالقواعد الدستورية، والعهود والمواثيق الدولية، المؤسسة على احترام حقوق الإنسان، وحرياته العامة، كشرط وحيد لصوابية أي تشريع،وإعطاء الاعتبار لمطالب مختلف الشرائح والفئات الشعبية التي طالبت بتعديله، ووضع مصالح المواطنين، فوق أي اعتبار آخر ،فالقوانين  والتشريعات  الصائبة، هي التي تمكن المواطن من ممارسة حقوقه الوطنية، وأداء  واجباته، على أكمل وجه، دون أية عراقيل، وتأصيل روح الحرية لديه، ليكون الوطن حراً.
 إن المطلوب من الجهات المعنية في الحكومة والدولة ، المبادرة بالإسراع، في معالجة هذه القضية، وهي لازالت في بداياتها، حتى لايتراكم هذا الخطأ، بل وألا يتفاقم، ويتعقد مثل الكثير من القضايا العالقة، منذ عشرات السنين، والتي تنتظر الحلول، وإنه ليس من العدل، والإنصاف، أن تتشبث الجهات المعنية في الدولة ،بعنادها تجاه مطالب المواطنين، مثلما هو في تعاملها الحالي  مع المرسوم التشريعي رقم 49 ،وإن عليها أن تكون عوناً، وسنداً، لمواطنيها،  في كل الظروف، فتنمي روح التعاون، والثقة بينها وبينهم، من خلال التعرف على مشاكلهم ، وإيجاد الحلول العاجلة لها، ،وعدم الركون للانتظار، بعد أن تتأكد من درجة الأذية التي تلحق بمصالح المواطنين جراء أي سياسة حكومية غير مدروسة ، وإذا كان الموطنون عموما لهم معاناتهم في مجالات عديدة فإنها تتضاعف لدى المواطنين الكرد ،بسبب الإجراءات والسياسات التمييزية المطبقة بحقهم، منذ عشرات السنين، وحتى الآن، ويحدوهم الأمل، للعيش في وطنهم بحرية، وكرامة  فهل من مجيب ………..؟!!!!!

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…