بقلم : عبد الرحمن آلوجيمن الثابت أن لكل أمة محيط وبيئة يعدان حاضنا جغرافيا قد يمتد أو يتقلص, بفعل الأدوار والأحقاب التاريخية المتعاقبة , وما يعتور التاريخ والجغرافيا من امتداد أو انحسار , أو تقدم أو تراجع وانكفاء..
وما عوامل ذلك ؟؟! وما هي مقدماته ودواعيه, والخفي من أسرار ذلك ؟؟!..
كما أن علم الاجتماع و سير التاريخ الإنساني وتطور المجتمعات الإنسانية, في التصور والفكر والسلوك والممارسة , ومدارسها في التقعيد والتنظير, وصياغة الرؤى والقوانين المحتملة في تفسير السلوك والتصور , ومراجعة أدائهما – عبر المواكبة التاريخية المتصاعدة والمرتقية , بفعل تراكم المنجزات والمعارف –
والذي نهدف إليه من هذه الدراسة الجادة أن نضع الحدود والقواعد والأسيجة الحصينة والحاضنة لفكر كردي معاصر وتراثي ينسجم مع الخصوصية الثقافية أمة تجذرت في التاريخ الإنساني وفي جغرافية هي في القلب من العالم القديم بما كان منه من شهود ” أول رقم في تاريخ الحضارة الإنسانية ” كما يقول المؤرخ العالمي” ول ديورانت ” – وقد تكرر الاستشهاد به في دراساتنا لأهمية هذا الأمر – , وفي الصلب من منطقة الشرق الأوسط لما لهذا الشرق من دور محوري خطير في القضايا العالمية الكبرى , وتحريك عملية البناء أو الاندحار والاندثار الحضاري, وما نشهده من صراعات وتوترات وبؤرا متفجرة خرجت من المنطقة واجتاحت ستين بلدا , مما جعل هذه المنطقة محور الاهتمام العالمي , وفي المركز من التوجهات الحضارية وما يمكن من حوار أو تصارع الحضارات , لاسيما أن هذه البقاع شهدت بزوغ وانبعاث الرسالات السماوية الكبرى , وقوانين الفراعنة والحثيين وحمورابي , وانطلاقة الاتجاه نحو المتوسط إلى أوربا , وما حدث من امتداد الميترائية قبل ميلاد السيد المسيح إلى أتلك البقاع النائية في روما , وما كان من وجود حضاري متقدم في المستوطنات والحواضن المدائنية الأولى في ” حموكر وكوبادو وشمشاران, ونيفالي تشوري , وما ثبتته البعثات الأثرية في تل جرمو ومن قبلها بآلاف السنين عددا في دودري وشانه در, ثم من بعدها في أوركيش وبابل وأور ..” , بحيث يعزز هذا الإرث الحضاري العظيم , إلى جانب أهمية المعاصرة والدور المحوري في لقاء الحضارات , وإمكان الحوار والتبادل والتواصل , مع الأهمية البالغة لدور شعوب المنطقة وتلاقيها الحضاري والفكري في تعزيز هذه المعاصرة ورفدها بنسغ حياتية, تحيي ما اندثر تحت مطارق سياسات قومية ومذهبية وقبلية متخلفة ومتشنجة وعصبيات بائدة , لم تعد صالحة لحياة ينبغي أن تزدهر بالقيم التراثية والأخلاقية الرفيعة , وبمعايير حضارية تسمو فوق الاستعلاء والاستعراض القومي الفوقي البائس والمكروب بعقدة النقص وتعويض الدونية والشائه من ردة الفعل , وارتكاب وإتيان ما هو محرم ومشنع فعله على الغير , بل تقليدهم, والسير على سياسة الآخرين في التتريك والتفريس والتغريب , وألوان من محاولات تذويب بائس , وصهر قومي يائس وعديم الجدوى , حيث ثبت عقمه وإخفاقه المريع عبر التأريخ الإنساني, و كل محاولات التغريب لشعوب عريقة لها ركائزها وخصوصياتها , ومحاور حياتها لغة وأدبا وثقافة وأصالة متجذرة في أعماق تاريخ لا يمكن شطبه وإزالة معالمه, وما رافق كل ذلك من الأثرة القومية والتشدد الأعمى والأكثر بؤسا وتخلفا وخواء, وما جر ذلك من صراعات وأحقاد وحروب , تهدف دراستنا إلى الحد منها , وفتح الآذان صاغية على وقعها , وآثارها المدمرة في الأبدان والأرواح والأنفس والثمرات وخيرات الشعوب التي أصبحت نكدا وغصصا, نجد مراراتها في الحلوق , ونتائجها الوخيمة في محاولة التهجير والتشريد والتجويع , بفعل رؤية فوقية هي إلى الهبوط والزوال أقرب من رغبة الفوقية والتفوق المدعى والمحكوم بعقم سريري مؤكد …
إن ما نطمح إليه , وما نصر عليه أن نفتح للوعي النوافذ مشرعة , وأن نسعى لنور يقتحم علينا معاهدنا ومدارسنا ودورنا وأنديتنا الثقافية والفكرية , ومعاهدنا ومؤسساتنا التربوية , لنعيد صياغة فكر يتسم بطابع علمي منهجي مسند تؤازرها النظريات والمفاهيم والأفكار الجامعة والمؤسسة لفكر إنساني رفيع بعيد عن معايير وأسانيد منغلقة ومتهاوية وبائسة , تفتقر إلى القيم والمقاييس العلمية والأخلاقية , ولا ترتكس إلى ما هو مذل للإنسان ومستعبد لإرادته , ومكبل لطاقاته وإبداعاته , وقدرته على الإبداع والتحرك في آفاق المعرفة , وارتياد ما يعود به زادا عالميا مكتنزا ونافعا وغني العطاء , لترقى البشرية بإبداعات كل الأمم والشعوب وتتكامل بها , وتعطيها من خصوصياتها وإرثها وتراثها وذخائرها وقدرات أبنائها, ما يعين على هذا البذل , ويدفعها – وقد تحقق بعدها الحياتي- إلى مزيد من الانفتاح والإبداع, وانتهاج رؤية واضحة بعيدة عن الريب والشكوك ومخاوف التردد والإحجام والخوف من المجهول , والارتياب من سحق التطلعات ومحو الشخصية وإرثها , ومتعلقاتها الراسخة عبر آلاف السنين , ليكون الردف الإنساني حافلا بقوة الدفع , بعيدا عن هواجس النكران والتغريب الروحي والاستئصال الجسدي المريع, والفتك والقتل والتويع والدفن في الرمال , وإهالة التراب على أجساد غضة نابضة بالحياة أطفالا ونساء وجوعى وثكالى ومن بلغ من العمر عتيا , مما ضجت بها مدافن ومقابر جماعية في صحراء السماوة والأنبار والجنوب في العراق , وما شهدته النفس الموؤودة في البوسنة والهرسك وإقليم الباسك ودارفور و… كثير مما لا يحصى عبر معابر النار والدم والدمع ورماد الحقد الأرعن..
يحصد ملايين الجياع والأبرياء ..
في أشد المحاولات بؤسا وهمجية وسحقا للآخرين, للاستئثار بالخيرات والعطاءات والذخائر الكامنة والظاهرة, ونهب للوجود الإنساني الذي يعد منحة ربانية, خارجة عن طوق الأقوياء والمردة والمستبدين والمستأثرين بخيرات الشعوب المقهورة والمستذلة, تحت وطأة الاستعباد والوحشية, وطغيان الجبابرة , ومحاولاته محو وإذابة الشعوب واسترقاقها , وقد خلقها الله أحرارا, وحفظت دساتير العالم وقوانينها حقوق الأفراد والجماعات, والتنعم بخيراتها وثمراتها وأرضها ومياهها, ومقدراتها وقرائح ومواهب أبنائها, وعطاءاتهم العلمية والفكرية, وتلاقيهم وتحاورهم وتواصلهم وتعاضدهم الإنساني القويم والمتوازن والمتكامل, لبناء صرح المدنية والعلم , ومستقبل مشرق للبشرية بعيدا عن شبح الحروب والثارات والفتن والقلاقل , وما تجره من أحقاد وضغائن ونزاعات متجددة ..






