الدولة الفلسطينية بمواصفات نتنياهو

زيور العمر

رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو يقبل بفكرة دولة فلسطينية الى جانب دول إسرائيل على مضض , و لكن أية دولة ؟ الدولة التي فصلها نتنياهو في خطابه , لا تنطبق عليها مواصفات دولة , لا من قريب و لا من بعيد .

دولة منزوعة السلاح , ولا تمتلك جيش , و بدون غطاء جوي , و ليست لها حرية نسج علاقات دولية .

أية دولة هذه التي يريدها نتنياهو للفلسطينيين , و كيف له أن يتصور إمكانية  قبول أي زعيم فلسطيني , عربي  و إسلامي بذلك , سواءا ً أكان من محور الإعتدال أو الممانعة.

نتنياهو  يقول شيئا ً و  يعرف الرد عليه سلفا ً : الرفض المطلق .

و لكنه يدرك أن الأهم القول و ليس الرد .

الرئيس أوباما طلب منه القبول بحل الدولتين , و ها هو يقولها .

متشاروه سيهدؤون من روعه عندما يشاهد من واشنطن إصبع تترنح يمينياً و شمالا ً , إنه إصبع الرئيس أوباما , الذي أفهمه ما يتوجب عليه القيام به : نظريا ً القبول بدولتين .

عمليا ً وقف الإستيطان كليا ً في الضفة الغربية .

ما قام به نتنياهو لم تكن سوى ربع المطلوب منه : نعم , نطق بالكلمة السحرية دولة فلسطينية ,  كلام موجه الى واشنطن , و لكنه يريد أن يسمعه ليبرمان و حلفائه في الحكومة , لانه قال دولة لا تحمل مميزات دولة , و حتى يطربهم أكثر , رفض وقف الإستيطان بسبب حاجة النمو الطبيعي , و رفض التنازل عن شبر من القدس , و استحال عودة أي لاجئ فلسطيني الى دولة إسرائيل.
الإدارة الأمريكية سارعت الى الترحيب بموقف رئيس الوزراء  و إعتبرته تقدما ً.

رئيس الوزراء , خلافا ً للتوقعات , يجد في المباركة الأمريكية الإعلامية ضغطا ً متزايدا ً , و ليس قبولا ً بالصيغة المطروحة .

و لأن الضغوط الأمريكية تهدف بالأساس الى تهدئة العالم العربي و الإسلامي , اللذين خاطبهما أوباما من على منبرين أساسيين : أنقرة و القاهرة , و وعدهما بمقاربة أمريكية منصفة تقوم على الإحترام المتبادل و المصلحة المشتركة , فإن حكومة إسرائيل تدرك أن رؤيتها للدولة الفلسطينية لن تؤخذ بإرتياح , و سيسبب  حرجا ً لإدارة أوباما .
و مع ذلك فإن خطاب نتنياهو كان مزيجا ً هلاميا ً من رؤى متناقضة , تعكس تركيبة الإئتلاف الحكومي الغير متجانس .

ليبرمان يرفض فكرة الدولة الفلسطينة من أساسها , و القدس و اللاجئين , و إخلاء المستوطنات في الضفة الغريبة , فهي مسائل لا تجد مكانا ً في أجندته .

بينما إيهود باراك , يقبل بالدولة , و على إستعداد لإخلاء العديد من المستوطنات في إطار إتفاق سلام , و إيجاد حل للقدس و اللاجئين .

كيف يمكن التوفيق بين الرؤيتين ؟ نتنياهو , يعتقد أنه ذكي بما يكفي لإرضاء جميع الأطراف : أوباما , ليبرمان , إيهود باراك و الجمهور الإسرائيلي .
و مع هذا فإن خطاب نتنياهو , كشف عن قصور في رؤية اليمين الإسرائيلي تجاه السلام , و مجمل الصراع العربي الإسرائيلي .

فهي رؤية تورط أكثر من مليار و نصف مليار مسلم في قضية شائكة .

بإمكانها أن تكون بين الفلسطينيين و الإسرائيليين لوحدهما.

القبول بدولة فلسطينية قابلة للحياة , تعيش الى جانب دولة إسرائيل , مع ترك المسائل الخلافية للمفاوضات , كان من الممكن أن تحلحل الركود الراهن , و تحرك بعض من الماء الساكن , و تمنح بريق من الأمل ,لأطراف الصراع .
نتنياهو لم يفسح المجال في خطابه للحوار و التفاوض .

لاءاته كثيرة .

إن معركة الخطابات و الخطابات المضادة قد تبدأ منذ الآن .

الرئيس اوباما سيقول لضيوفه من الزعماء العرب  و المسلمين أنه طلب من نتنياهو شيئا ً أخر , و لكنه لم يفهم , او يحاول أن لا يفهم , عندما يتعلق الأمر بأمور واضحة : إلتزامات و إتفاقات سابقة .

سيقول أن نتنياهو يطلب تشددا ً إزاء إيران , من دون أن يرخي الحبال على الجانب الأخر , مع الفلسطينيين .


و لكن مع ذلك لن يسمح أوباما لنتنياهو أن يفسد عليه رؤيته للعالم , مقابل مصالح فئوية و سياسية إنتهازية  ,لأطراف في حكومته  , من الممكن التخلي عنهم , و لن يقبل منه أية حركة حمقاء من شأنها , إلحاق الأذى بمصالح أمريكا .

فكل المعطيات تشير الى حقبة صعبة من العلاقة بين إدارة أوباما و نتنياهو .

علاقة تقوم على تناقض في الرؤية و الأسلوب .

17/06/2009    

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…