الوحدة المضرة

زيور العمر

إن سألني شخص ما , عن موقفي من قيام إطار سياسي يجمع الأحزاب الكردية في سوريا , فإنني سأقول بكل وضوح : إنه تقارب مضر , و هو لا يعني بأي حال من الأحوال أنه كذلك في كل مكان و زمان .

و لكن تجربة المحاور السياسية الكردية في سوريا , التي تشكل كل منها على حدة نموذجا ً مصغرا ً , للإطار الأوسع , على إعتبار أن اطراف كل محور , عادة ما , يتقاسمون نقاط الإتفاق أكثر من نقاط الخلاف , أثبتت أن التحول الكمي في تجربة العلاقة بين الأحزاب الكردية , لم تؤدي الى التحول النوعي .

و لم تقتصر هذه الخلاصة النظرية و العملية على التحالفات او الجبهات أو غيرها , و إنما شملت الوحدات التنظيمية بين الأحزاب التي إدعت الإنسجام ووحدة الطرح السياسي و الأساس الفكري.

فمجموع الخطوات التي تمت في بداية التسعينات من قبل الأحزاب الكردية في سبيل تأسيس حزب الوحدة الديمقراطي (يكيتي) في نيسان  1993, على سبيل , لم تحدث أي تحول في سياسية و آداء و تحركات ذلك الحزب و قيادته و أفراده بشكل عام .

كذلك لم يؤدي تشكيل التحالف والجبهة و لجنة التنسيق الى النتائج المرجوة .

و لعل أهم ما يفسر هذا الأمر هو أن هذه الأحزاب إشتغلت على صراعاتها , اكثر من إشتغالها على الهم الأساسي , ألا و هو إدارة الصراع الرئيسي مع النظام و سياساته و مشاريعه العنصرية و الشوفينية بحق الشعب الكردي.

فكل تجمع كردي , ظهر على الساحة السياسية الكردية , كان موجها ً ضد الأطراف الأخرى , على جميع الأصعدة السياسية و الجماهيرية و الإعلامية , في ظل تجاهل مقصود منها لضرورة العمل على صياغة رؤية (إستراتيجية) سياسية كردية موحدة , إزاء قضيتها و سبل حلها.


و من أجل تأمين إستمرار و ديمومة هذه الحالة , لم تبخل قيادات هذه الأحزاب , عن البحث و التنقيب عن كل ما من شأنه تعكير الأجواء, و زعزعة الثقة , و شحن النفوس بمشاعر النفور تجاه الأطراف الأخرى , وصلت في أحدث فصولها , كما قلنا في مناسبات سابقة , الى درجة الإتهامات المتبادلة بالعمالة و الخيانة للنظام و أجهزته الأمنية.


ففي مرحلة ما ظهرت الجبهة الديمقراطية الكردية , كإصطفاف سياسي حزبوي , على خلفية العلاقة التاريخية التي تربط القوة الأساسية فيها (البارتي) مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق , في مقابل حزب الديمقراطي التقدمي بقيادة عبد الحميد درويش , الذي يشكل القوة الرئيسية في التحالف الديمقراطي.

و عندما قرر حزب يكيتي القيام  بأنشطة جماهيرية , أعتبرت في وقتها نوعية و غير مسبوقة , و ذو خطاب سياسي تصعيدي, تكاتفت أحزاب الجبهة و التحالف مع بعضها البعض, من أجل محاربة التوجه الجديد , و عملت كل ما في وسعها من أجل عزل يكيتي , و التحريض عليه , بغية تعريضه للإستهدف الأمني و السلطوي.
و عندما أسفرت تلك المحاولات عن النجاح , نوعا ً ما , من خلال تراجع وتيرة الأنشطة الجماهيرية , و إنحراف المقاصد السياسية عن أهدافها الفعلية , و إحتواء يكيتي و إعاد ة إدماجه في النهج السائد , إنبعثت فكرة تشكيل إطار سياسي شامل , تنضوي تحت مظلته جميع الأحزاب , تحت إسم (المرجعية الكردية) .
المحاولة الجديدة من أجل تشكيل إطار أخر , لا تختلف عن المحاولات السابقة , لأن الأهداف و الأولويات تبقى نفسها .

فنية أطرافها العمل على عزل التقدمي و الوحدة , لا يشكل فرصة أمل لتحقيق أي تغيير أو تبدل في المشهد السياسي الكردي في سوريا , و إنما محاولة أخرى , تضاف الى الإرث , في سياسة تجسيد حالة الإنقسام و التشرزم بين الشعب , لذا فهي ضارة .

4/6/2009

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صديق شرنخي   لم تكن الأحداث التي شهدها حيا الأشرفية والشيخ مقصود في حلب مجرد اشتباكات أمنية عابرة أو توترات محلية قابلة للاحتواء، بل كانت حلقة جديدة في سلسلة صراع أعمق وأخطر: صراع بين مشروع وجود كوردي يسعى إلى تثبيت نفسه في كوردستان سوريا، وبين منظومة إقليمية ترى في أي كيان كوردي تهديدًا استراتيجيًا يجب كسره قبل أن يترسخ. منذ…

المحامي عبدالرحمن محمد تحاول تركيا، عبر أدواتها ومرتزقتها من الجماعات الإرهابية والجهادية القادمة من مختلف أنحاء العالم، اختزال القضية الكوردية وحق الشعب الكوردي في تقرير مصيره السياسي، وحصرها في توصيف مختزل يتمثل في عبارة “إرهاب حزب العمال الكوردستاني”، وذلك تحت شعار “تركيا خالية من الإرهاب”. ولم تقتصر السياسات التركية على حدود الدولة التي تأسست بموجب تسويات وصفقات دولية…

غاندي برزنجي لم يكُن أحد يتخيّل أنّ أيّة سُلطة سوف تستلم زمام الحكم في سوريا ، بعد سُلطة البعث ، قد تشبه سُلطة الأسد أو قد تكون أسوأ منها . لماذا ؟ لأنّ السوريين ، على اختلاف انتماءاتهم ، كانوا قد عاصروا نظاماً شوفينيّاً فاق بإجرامه كلّ الأنظمة الدكتاتوريّة التي حكمت دولها منذ أكثر من مئة عام . لكنّ أبو…

زينه عبدي في خضم السياق السوري الانتقالي الراهن، ينبغي لسوريا دخولها مرحلة جديدة عبر تشكيل دولتها ضمن أطر العدالة والشراكة الحقيقية دون إقصاء، لكنها باتت مرتعاً للصراع الداخلي في محاولة من السلطة الانتقالية إعادة إنتاج المركزية بصورة أشرس مما شكلته سلطة الأسد ونظامه الحاكم لأكثر من خمسين عاماً بمساعدة إقليمية تبلورت الى العمل على إفشال ما يتم الاتفاق عليه بين…