الحركة الوطنية الكردية في سوريا والحاجة إلى التخطيط الاستراتيجي

  صوت الأكراد *

بعد مرور نصف قرن على تأسيس أول تنظيم سياسي كردي في سوريا, يا ترى هل استطاعت الحركة الوطنية الكردية في سوريا الوصول إلى مستوى تضع فيه تخطيط إستراتيجي لعملها النضالي ولسياساتها ؟ ألا يمكننا نعت مكونات الحركة الكردية بأنها ذات قصور سياسي , لم تتمكن من الارتقاء بذاتها إلى مصافي الأحزاب ذات الرؤى المستقبلية ؟!

للدخول في تفاصيل وحيثيات هذه المسألة , لا بدّ من تقديم تعريف لمفهوم التخطيط الاستراتيجي, وأهمية هذا المفهوم ومعوقاته , إذ أن التخطيط الاستراتيجي يعرّف في سياقه المبسّط بأنه ((العملية التي يتم من خلالها السعي لتحقيق أهداف معينة وواضحة, من خلال صياغة تصوّر للمستقبل ، واختيار الوسائل والعمليات اللازمة لتحقيق هذا المستقبل , مع مراعاة العاملين الذاتي والموضوعي))…
لعل أولى الأسباب التي لم تتح للحركة الوطنية الكردية في سوريا وبمختلف مكوناتها  وضع تخطيط استراتيجي لمسيرتها, هي حالة التشرذم والمهاترات التي عاشتها وتعيشها, والتي استنزفت الكثير من الطاقات والإمكانيات المتوفرة للحركة, بالإضافة إلى عدم اتفاق الحركة الكردية على تبني أهداف محددة ذات ملامح واضحة , فالحركة باتت تناضل لتحقيق أهداف ضبابية , وهي بدورها تختلف وتتباين من فصيل لآخر, فأغلبية الأهداف تدور في فلك الحقوق القومية والسياسية والثقافية والاجتماعية , دون أن تعرف , أو أن يعرف أحد , بماهية هذه الحقوق , كما أن ضعف الخبرات وعدم توفر الكادر التخصصي في السياسة , وعدم القدرة على تحليل الواقع المحيط بنا والتنبؤ بالتغيرات المستقبلية وبالتالي عدم وضع الآليات المناسبة للتفاعل مع تلك التغيرات المستقبلية المتوقعة , وشحّ الإمكانيات المادية , كل هذه الأسباب تلعب دوراً بارزاً في هذا المجال.


 ولكن, وبالرغم مما سبق, ونظراً لأهمية ودور التخطيط الاستراتيجي للحركة الوطنية الكردية في سوريا, والنابعة من كونه يعتبر بمثابة صمام أمان وبوصلة دقيقة, تسير وفقها الحركة الكردية في سوريا, كما أن التخطيط الاستراتيجي يوظف الطاقات المتاحة لدى الشارع الكردي , ويقلل قدر المستطاع من استنزافها في أمور جانبية , وتجنبها الوقوع في حالة عدم القدرة على التخطيط الآني , أو الخطأ في العمل لعدم التخطيط لمواجهة الحالات التي قد تستجد على الساحة , وأحداث آذار 2004م الدامية , قد تكون دليلاً حياً وواقعياً على ذلك , وكذلك تلعب دوراً في نضج وإبراز الكفاءات القيادية الحقيقية , القادرة على تحمل أعباء ومسؤوليات المرحلة , كون القيادات ضعيفة الخبرة يؤول مصيرها إلى زوال , إذ أنها لن تستطيع مجاراة هذا المفهوم الجديد ومواكبة ماهيته , كما أنه يشكل حافزاً حقيقياً للتقارب بين أطياف ومكونات الحركة الكردية …الخ .
والآن , السؤال الأهم , الذي يطرح نفسه هنا , هل الحركة الكردية في سوريا , قادرة على تبني ومن ثم تطبيق هكذا مشروع ؟؟!
للوهلة الأولى ينتابنا شعور باستحالة تطبيقه في ظل المعوقات السابقة الذكر, إلا أن وجود إرادة قوية لدى مناضلي الحركة الوطنية الكردية في سوريا, ووجود الجماهير الكردية المخلصة مع قضيتها العادلة , يشكل حافزاً قوياً للحركة الكردية للمضي قدماً في تطبيق وتبني تخطيط استراتيجي حقيقي يقود نضالها في المرحلة القادمة , وذلك من خلال نبذ الخلافات جانباً , والجلوس على طاولة الحوار الديمقراطي والبنّاء بقصد تقريب وجهات النظر بين الفرقاء , ولعل وجود رؤية مشتركة مسبقة متفق عليها من قبل الأطر الثلاثة (التحالف الديمقراطي الكردي في سوريا – الجبهة الديمقراطية الكردية في سوريا – لجنة التنسيق الكردية في سوريا) تشكل أرضية مناسبة للبدء بعملية تشكيل مرجعية كردية , والمشروع المطروح مؤخراً على فصائل الحركة بهذا الخصوص , نعتقد بأنه يعتبر بداية مقبولة نوعاً ما للانطلاق ” إذا حسنت النوايا ” , ومن ثم على الحركة تحديد سقف محدد لمطاليبها وتوحيد أهدافها , بشكلٍ تتوافق مع ظروف المرحلة وخصائصها, والابتعاد عن الأهداف والمطالب العاطفية والغير ممكنة عملياً ” رغم حقنا في تملكها” , لتجنب الدخول في مأزق الشعار والهدف الأول للحركة في بدء تأسيسها , كما أنه ينبغي على الحركة تقدير الظروف الخارجية المحيطية بها …..
إن الحركة الوطنية الكردية في سوريا أمام مرحلة جديدة , ذات معطيات وإفرازات مغايرة للمرحلة السابقة , لذلك فإنه يتوجب عليها الاستعداد الحقيقي لها , من خلال تهيئة العامل الذاتي , وشحذ قدراتها , واثبات ذاتها لتكون في حسابات اللعبة السياسية الدائرة في المنطقة , وعدم ترك الفرص تمر ذهاباً وإياباً دون الوقوف في محطة الحركة الكردية ….

حتى يُحسَب لنا , إن لم نقل ألف حساب , فعلى الأقل حسابٌ واحد , قبل أن يقدموا على إجراءٍ شوفيني جديد بحق شعبنا الكردي.

* لسان حال اللجنة المركزية للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا ( البارتي ) العدد (415) ايار 2009

لقراءة مواد العدد انقر هنا

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

دخلت المرحلة التنفيذية لـ “قانون إطار عملية الحل” الذي أقره البرلمان التركي مؤخراً حيز التنفيذ الفعلي، حيث بدأت الخطوات الميدانية لتحديد آليات ومواقع تسليم السلاح من قبل حزب العمال الكردستاني (PKK)، في عملية من المقرر استكمالها بحلول مطلع شهر تشرين الأول المقبل. وبحسب معلومات أوردتها صحيفة “نفس” التركية، بدأ جهاز الاستخبارات التركي (MIT) عمليات مراقبة دقيقة لـ 72 معسكراً وموقعاً…

د. مرشد اليوسف بعد أن هدأ الحوار قليلاً، شعرت أن الكلام بدأ يقترب من جوهر المشكلة. قلت لهما: — دعونا نترك الاتهامات الشخصية جانباً. والسؤال الذي يهمني الآن هو: ماذا حدث للكردفي روجافا ؟ ولماذا وصلوا إلى هذه المرحلة؟ ومن يتحمل مسؤولية ما جرى؟ الدكتور القسدي (اقصد المؤيد للخط الاوجلاني ): — المسؤولية تبدأ من الذين لم يفهموا طبيعة تركيا….

كمال بكر ربما لم يعد من المفيد، في هذه اللحظة تحديداً، أن نستمر في البحث عن إجابة لسؤال: من كان على صواب، ومن أخطأ في المرحلة السابقة؟ ليس لأن مراجعة الماضي لم تعد ضرورية، بل لأن المرحلة نفسها تغيّرت، ومع تغيّرها تبدلت الكثير من المعطيات السياسية والتنظيمية والإقليمية التي حكمت طريقة تعاملنا مع القضية الكردية في سوريا خلال السنوات الماضية….

خالد بهلوي يُعدّ الزواج حقًّا طبيعيًّا وحلمًا يسعى إلى تحقيقه كثير من الشباب السوريين، من أجل بناء أسرة وبدء حياة جديدة. إلا أن هذا الحلم تحوّل، في ظل الظروف الحالية، إلى تحدٍّ كبير؛ فمع غلاء المعيشة وزيادة الفقر والبطالة والهجرة والتقاليد الاجتماعية والتكاليف المتزايدة للزواج، يجد كثير من الشباب أنفسهم أمام طريق طويل وشاق لتحقيق حلم الاستقرار وتكوين أسرة تيجة…