لجنة وزارية جادة أم ضحك على اللحى ثانية؟!

  افتتاحية جريدة آزادي *

    قدمت إلى محافظة الحسكة في شهر أيار المنصرم لجنة وزارية برئاسة السيد عادل سفر وزير الزراعة والإصلاح الزراعي هذه المرة وعضوية كل من وزيري الري والتنمية الإدارية ورئيس الاتحاد العام للفلاحين ، على أنها جاءت لرصد الواقع المعيشي في المحافظة ومعالجته ، ورأت اللجنة أن المشكلة تكمن في وضع الزراعة بالمنطقة التي أصابها الجفاف لثلاث سنوات متتالية أدى إلى انخفاض دخل سكانها بشكل كبير ، ولهذا تبحث ( أي اللجنة) عن حلول استراتيجية أكثر عمقاً واستدامة بحيث يكون للمنطقة أكثر من مصدر لتحسين الدخل كزيادة الاستثمار وإيجاد فرص عمل جديدة بإقامة مشاريع تنموية واستقدام المستثمرين إلى المحافظة، في تأكيد منها على أن الحلول والمعالجات الاسعافية واردة ولكنها لا تفي بالغرض ولا تفي بأهداف التنمية المستديمة،
وأضافت اللجنة : نعمل حالياً على تثبيت المزارعين في أراضيهم بالدرجة الأولى، ومن ثم نحاول إعادة من ترك المنطقة إلى العمل في الأرض بعد تقديم الحلول المناسبة التي تضمن استمراره باستغلال أرضه وتحسين أوضاعه المعيشية ، وعلى أن اللجنة قد درست مع “فرع  الجبهة الوطنية التقدمية” وفعاليات مختلفة من المحافظة ما توصلت إليه من مشاهدات ميدانية وتصورات لتجاوز الظروف الحالية ودفع عملية التنمية بالمحافظة، وليتم تنفيذ المقترحات من خلال الحكومة باتخاذ القرارات اللازمة والإجراءات المناسبة ..
    لقد سبق وأن قدم إلى هذه المحافظة مسؤولين كبار ومن أرفع المستويات في الدولة ، وهذه اللجنة ليست هي الأولى التي اتت الى الحسكة وليست أكبر حجما من اللجنة الوزارية التي سبقتها إلى المحافظة  في الصيف الماضي وليست أكثرها شأنا،لأن السابقة كانت كما شوهدت أكثر وسعا وشمولا للوزراء والمديرين العامين للمؤسسات والشركات والإدارات ومكلفة من رئيس الجمهورية مباشرة ، كما كانت برئاسة وزير المالية الذي هو عضو قيادة قطرية لحزب البعث الحاكم، و بحسب مصادرها كانت محملة بمسؤوليات وصلاحيات أكبر، وقد التقت بشكل أوسع ومباشر مع بعض أهالي المحافظة ( طبعا بعضهم يعرفون وولائهم للجهات السلطوية وملقنة سلفا ماذا تقول وماذا تطرح من أسئلة وماذا تطلب وكيف ؟) اختارتهم الجهات المعنية للاستهلاك الاستعراضي ولا سواه  وسؤالنا هو : ماذا فعلت الأولى حتى تفعل هذه الثانية الأقل شأنا والأصغر حجما والأدنى صلاحية ؟، بمعنى إذا لم تفعل الأولى شيئا يذكر!! وهي بهذا الحجم في الشكل والمسؤولية فكيف بأخرى دونها أن تفعل، ولذلك فلأهالي المحافظة كل الحق أن لا يعلقوا عليها الكثير من الآمال ولوفي حدها الأدنى !!.

    لقد جاءت الأولى وسط تغطية إعلامية واسعة ، وأجرت لقاءات عديدة كما ذكرنا، واطلعت عن كثب على الواقع المزري للمحافظة وما تعانيه الجماهير الشعبية وخصوصا القطاع الزراعي من الأمرين الفقر والبطالة، وصبت كيلا من الوعود ، شملت مشاريع زراعية وصناعية تنموية عديدة ، وعلى أنها رصدت مبالغ واعتمادات لها تقدر بمليارين من الليرة السورية ، وإلى غير ذلك من الكلمات والأحاديث “المنومة أو المهدئة للأعصاب” ، وذكرت (أي اللجنة) على أنها قدمت لائحة طويلة من التوصيات وطلبات المحافظة إلى الحكومة لاتخاذ الإجراءات والقرارات اللازمة بشأنها بغية وضعها موضع التنفيذ ، وظهر وزير المالية (رئيس اللجنة) غير مرة على شاشة التلفزيون وأخذ يشرح مواضيع مهمة لجنته والوعود التي قطعتها للجماهير في محافظة الحسكة ..الخ ، لكن أين كل ذلك وأين هي وعود اللجنة ؟؟ والواقع فقد بدا فيما بعد أن مهمة اللجنة لم تكن تستحوذ على كل تلك القضايا !! بل كانت المهمة أمرا وحيدا لا سواه وهو إلهاء الجماهير والتغطية على سلبيات المرسوم التشريعي رقم 49 تاريخ 9 / 10 / 2008 الخاص بالقيود التي فرضت بخصوص العقارات ، والذي كان قد صدر للتو وما نجم عنه من نتائج أثارت امتعاض جماهير المحافظة و تذمرها، لنرى ماذا ستكون غاية هذه اللجنة الوزارية الجديدة وهل ستكون أهدافها على شاكلة التي سبقتها أم ماذا؟؟..
لا شك أن محافظة الحسكة وكما يعلم الجميع تعد من أغنى المحافظات في سوريا، من حيث الموارد الاقتصادية من زراعة بشقيها النباتي والحيواني والبترول وغيرها، لكن ومع كل هذا فإن أبناءها وبكل ألوان طيفهم وانتماءاتهم القومية والدينية والاجتماعية من عرب وكرد وسريان وآثور يشعرون بالغبن والإجحاف الشديدين حينما يسعون في الحياة ابتغاء الحصول ولو على الحد الأدنى من العيش اللائق بإنسان العصر ، لا بل يهجرون ديارهم ومناطقهم إلى ضواحي المدن الكبيرة كدمشق وحلب وغيرها بحثا عن قوت يومهم وعيالهم ، فحتى معظم المؤسسات والمنشآت والشركات الحكومية المنتجة ذات الطابع الاقتصادي في المحافظة، فإن غالبية تركيبتها العمالية من خارج المحافظة ، والأمثلة كثيرة ويمكن ملاحظة أبرزها في حقول النفط والغاز في كل من رميلان وجبسة ..ليس هذا فحسب ، بل إن المحافظة برمتها تعاني وضعا استثنائيا في معرض تطبيق القوانين والقرارات الحكومية ، فهي برمتها منطقة حدودية خلاف المحافظات الأخرى ، وتمارس فيها صنوف الإجراءات التمييزية ، تلاحظها مرة بين العرب والعرب ذاتهم وأخرى تراها بين العرب والكرد وهكذا، فسندات التمليك على سبيل المثال قد أعطيت للعرب الوافدين من الرقة وحلب الذين تم توطينهم في المناطق الحدودية – الحزام العربي-  دون سواهم من العرب الآخرين في نفس المنطقة ، وتعطى للعرب في أماكن أخرى ولا تعطى لسواهم في نفس المنطقة والمكان ، وهذا ينسحب على الكثير من الإجراءات والتدابير الأخرى كعمليات المسح والتوزيع للأراضي على الفلاحين ، فهناك الآلاف من العائلات المحرومة على الإطلاق وهي أحق من غيرها وخصوصا الكردية .أما الشأن الكردي الخاص فهو موضوع ذو شجون ، وله من التشعب ما يعبر عن جوهر الحديث خلال استعراض صنوف السياسات الشوفينية والمشاريع العنصرية التي يتم إثارتها باستمرار من إنكار الوجود وإجراءات الصهر وطمس المعالم التراثية ومنع الثقافة القومية وفرض سياسة التعريب للمناطق الكردية والإبقاء على المشاريع والقوانين العنصرية الظالمة  وتصعيدها من حزام عربي وإحصاء استثنائي خاص بالمحافظة ومحاربتهم في لقمة عيشهم ومنعهم من العمل حتى في المناطق الأخرى ..الخ .

من هنا ، حري بنا أن ندعو هذه اللجنة الوزارية العتيدة وحكومتها، إلى تثبيت مصداقيتها في هذا الاتجاه ، وهو فقط وقبل كل شيء أن ترفع الحالة الاستثنائية عن كاهل هذه المحافظة المعطاء ومساواتها بالمحافظات الأخرى وأن تلغي المرسوم التشريعي رقم 49 المذكور أعلاه، وأن تفي بالوعود المتكررة سابقا ، ويمكن بعدها الحديث عما يقال !!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* جريدة شهرية يصدرها الإعلام المركزي لحزب آزادي الكردي في سوريا– العدد 410 – حزيران 2009م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

بسم الله الرحمن الرحيم تكرّر العدوان غير المشروع على إقليم كوردستان الليلة الماضية مرة أخرى، وللأسف أسفر عن استشهاد اثنين من المواطنين الأبرياء في قرية زَرگزَوي بمحافظة أربيل، نتيجة هجوم بطائرة مسيّرة إيرانية. وهذا الأمر يُعدّ غايةً في الإجرام والظلم، حيث يُستهدف مواطنو كوردستان العُزّل بهذه الطريقة ومن دون أي مبرر، بدافع الحقد الأعمى. إن استشهاد هذين المواطنين البريئين قد…

شــــريف علي في السياسة كما في الاجتماع البشري عمومًا، لا توجد معادلة أكثر هشاشة من تلك التي تقوم على “اتفاق الفاسدين”. هذا النمط من التفاهمات، الذي يُبنى على تقاسم الغنائم بدل تقاسم المسؤوليات، يحمل في داخله بذور فنائه منذ لحظة ولادته. إذ لا يمكن لمنطق النهب أن يتحول إلى منظومة حكم مستقرة، ولا يمكن لتحالفات المصالح الضيقة أن تصمد أمام…

حوران حم في لحظات التحوّل الكبرى، لا تكون أخطر التحديات تلك القادمة من الخارج، مهما بلغت قسوتها، بل تلك التي تتسلل إلى الداخل بهدوء، وتُعيد تشكيل الوعي، وتُربك الاتجاه، وتُفكك البنية من حيث لا نشعر. ولعلّ أخطر ما أصاب الحركة الكردية عبر تاريخها الحديث، ليس فقط حجم الاستهدافات الإقليمية والدولية، بل ذلك المرض المزمن الذي تكرّر بأشكال مختلفة: الانشقاق… وما…

عمر إبراهيم بعد أربعة عشر عامًا من الحرب السورية، لم تعد القضية الكردية مشروعًا عسكريًا بقدر ما أصبحت اختبارًا سياسيًا لمستقبل الدولة نفسها. فالأكراد، الذين ملأوا فراغ السلطة في الشمال الشرقي خلال سنوات الصراع، يجدون أنفسهم اليوم أمام واقع جديد تحكمه التوازنات الإقليمية والدولية أكثر مما تحكمه القوة على الأرض. تراجع الحديث عن الاستقلال أو الفيدرالية الواسعة، لصالح طرح أكثر…