الشرق الأوسط الكبير.. نعمة أم نقمة؟

خالص مسور

ومن المعروف أن البلدان التي يشملها الشرق الأوسط الكبير تمتد من الوطن العربي لتشمل الدول المجاورة كإسرائيل، وتركية، وإيران، وأفغانستان، وباكستان أيضاً.

ظهرت فكرة الشرق الأوسط الكبير في الولايات المتحدة الأمريكية كمشروع سياسي- إقتصادي، وقد وافق عليه العديد من الكتاب والمثقفين العرب لأنهم يرون فيه تباشير القضاء على التخلف المزمن في المنطقة ككل، وسيؤدي تطبيق الفكرة إلى نوع من التعاون بين هذه البلدان من جهة وبينها وبين الدول الغربية الداعمة لهذا المشروع الحيوي من جهة أخرى، وبه سيتم وضع شعوب المنطقة على سكة دروب التطوير والتحديث والتقدم والرقي الإقتصادي، والثقافي، والإجتماعي بالدرجة الأولى، وستنفتح أمامها أبواب الإستثمارات الخارجية، ليصار إلى الإستخدام الأمثل للقوى العاملة في الدول المتحالفة في هذه المنظومة الشرق أوسطية الراقية،
وإلى رفع مستوى هذه الشعوب المعيشي، والتخفيف من حدة البطالة بنوعيها المقنعة والسافرة، ورسوخ المشاريع الصناعية وازدهار التبادل التجاري وما يترتب على ذلك من انتعاش إجتماعي واقتصادي.

وسياسياً سيؤدي إلى رفع التمييز العنصري عن كاهل الأقليات وشعوب المنطقة المقهورة بسبب الديموقرلطية الحتمية التي سترافق المنظومة الشرق أوسطية الناشئة عموماً.


ولهذا يمكن القول، بأنه لايمكن إنشاء منظمة شرق أوسطية بدون مقدمات ديموقرطية حقيقية، وحريات فردية، وتحديث المرافق الحياتية بالإنفتاح خارجياً، وترسيخ المشاريع الإقتصادية، ليتم اختيارالأنسب في المكان الأنسب وليأخذ كل فرد دوره الصحيح في الحياة، وليمكنه من استثمار أمواله وممارسة نشاطاته الإقتصادية في دول الشرق الأوسط الكبير بكل حرية وأمن وأمان في هذه البقعة الحساسة من العالم، ولتنتعش الآمال بحياة رغيدة ملؤها السعادة والأمل والمستقبل الباهر لكل شعوب المنطقة.

ولهذا كان السيد كولن باول وزير الخارجية الأمريكي الأسبق من أوائل الساعين نحو تنفيذ الفكرة الشرق أوسطية بمبادرته المعروفة أمام مؤسسة التراث المعروفة بـ(Hertiage Faundition) حول الشرق الأوسط الكبير.
ومن هنا نرى أن مصطلح الشرق الأوسط الكبير الذي ينبني على ركائز (النيولبيرالية) او الليبرالية الجديدة يجسد رغبة شعوب المنطقة عموماً، والذي يساهم في تطوير هذه الشعوب وإخراجها من رقدة الفقر وربقة الحكومات الفردية والحكم الأوتوقراطي المستبد.

وتحت سناء المنظومة الجديدة ستنضوي شعوب وقبائل تتعارف وتتعاون بدلاً من أن تتصارع وتتناحر، وستتلاقح الحضارات وسيتم تبادل العلم والمعرفة وثمرة الحضارات فيما بينها، وسيظهر إلى الوجود إنسان شرق أوسطي حديث جديد، خارجاً من زمن الأحزمة الناسفة والعنصريات والتناحرات المذهبية والطائفية والعرقية كلها، وستجد جميع مشاكل المنطقة طريقها إلى الحل الأمثل، وأولها القضية الفلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية وقضايا شعوب المنطقة عموماً.


ولهذا قبلتها بعض الدول العربية خاصة ورفضتها أخريات، وقد أظهر كل من دولة قطرعلى لسان وزير خارجيتها وكذلك البحرين ومجلس الأمة الكويتي شفافية واستجابة واضحين لجوانب الشرق أوسطية، وما يرافقها من إصلاح وتغيير وانفتاح على العالم الخارجي، ونادى رئيس مجلس الوزراء الكويتي نبذ القديم والعمل على التغيير والتطوير، بينما تحفظت عليها دول أخرى مثل سورية والسعودية على سبيل المثال..

وهنا أعود إلى القول، بأن هذا الشرق سيكون حالة ضرورية لتوفير الهدوء والاستقرار في المنطقة وفي العالم عموماً، بما سيتحقق فيه من الديموقراطية والإصلاحات السياسية.

وبالفعل فقد وافقت مجموعة الثماني الكبرى في ختام اجتماعاتها التي عقدت مؤخراً على ما أطلقه الرئيس الأمريكي السابق بوجوب التركيز على عدة أمور منها، الإصلاح الإقتصادي والإجتماعي ثم العمل على نشرالوعي الديمقراطي في هذا الشرق الأوسط الكبير والذي سيشمل شمال أفريقيا أيضاً.

على أن يتم بدعم من الدول الغربية ويكون التغيير بالتدريج وعلى مراحل ودون تدخلات خارجية.
وعلى العموم يمكن الإشارة، إلى أن هناك كاريزمات محددة يجب أن تنبني عليها منظمة الشرق الأوسط الكبير وهي:
1- الأمن والإستقرار، وبدون هذا الشرط الأساسي والجوهري لايمكن إيجاد ما اصطلحنا عليه بالشرق الأوسط الكبير، لأن الإستثمارات الأجنبية لاتجازف الدخول إلى منطقة وفيها الحرب قائمة، أو تفشي العنصرية والتناحر بين مكونات الدولة الواحدة، أي أن تكون هنا وهناك سيارات مفخخة وأحزمة تنسف الأبرياء مع صيحات..

الله أكبر..! بل يجب أن يكون هناك سلام كامل وشامل بين شعوب المنطقة، وهذا هو مايسعى إليه الغرب وأمريكا من السلم بين العرب وإسرائيل، أي حل الصراعات الدولية والمشكلات العرقية تمهيداً لإقامة هذا الشرق الأوسط الكبر المزدهر اقتصادياً وتنتفي فيه المشكلات العرقية، والطائفية، والسياسية…الخ.

   
2- العمل على اعتماد مبدأ الديموقراطية في البلدان العربية الأكثر تخلفاً من نواحي الحريات الفردية، ومن حيث الواقع السياسي، والعمل على تطويرالبرلمانات، وحرية القضاء، وغياب الإعلام المستقل، وانتشارالفساد والإفساد في دول المنطقة عموماً.

 
3-  الإنفتاح – وكما قلنا- على الخارج وفتح النوافذ والشرفات على مصاريعها أمام الإستثمارات الخارجية في بلدان الشرق الأوسط الكبير والناشيء.
4- نشر معاهد العلم والمعرفة والتنوير، والقضاء على ظاهرة الأمية والتخلف، حتى تتعرف الشعوب العربية على حسنات وفوائد وثمرات الشرق الأوسط الكبير المزمع إنشاءه، حيث دلت الإحصاءات الدولية على أن ما ينتجه الوطن العربي من الكتب يبلغ 1.1% من اجمالي الكتب المطبوعة في العالم، بينما الكتب المترجمة الى اليونانية هي خمسة أضعاف الكتب المترجمة إلى العربية
وفي الختام نقول: أن الشرق الأوسط الكبير هي نعمة ورفاهية لشعوبه، وفرصة هذه الشعوب للنجاة والإفلات من براثن الفقر والتطرف والعنف، وضمانة بحياة رغيدة قادمة، فإذا أحست هذه الشعوب بمسؤولياتها تجاه منظومة هامة إلى هذا الحد، ووضعت مصالحها نصب أعينها بجدية وإخلاص، عندها يمكن لها جني ثمرات هذه المنظومة الحيوية وتوظيفها لصالحها، وسيمكنها ذلك من اللحاق سريعاً بركب الدول المتقدمة.

أما إذا لم نستجب لها نحن شعوب هذا الشرق عندها فلن نلوم إلا أنفسنا، وسوف لن تغفر لنا الأجيال اللاحقة تقاعسنا وإهمالنا لمصالحها ومصالح شعوبنا التي ترزح تحت نير هذا العنف الأصولي، والفقر، والجوع، والجهل، والتخلف.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…