بعد مرور 46 عاماً لا زالت حالة الطوارئ هي الأساس في سوريا

  افتتاحية جريدة العدالة *

  في الثامن من آذار من عام 1963 أعلن نائب الحاكم العرفي في سوريا، حالة الطوارئ، واستناداً إلى ذلك، بسطت السلطات الإدارية والأجهزة الأمنية سطوتها وهيمنتها وجبروتها…على كل شيء في البلاد، وتدخلت بمزاجية وعشوائية في كل شاردة وواردة من حياة المواطنين، دون مراعاة أحكام الدستور والقوانين الوطنية والدولية.
  لقد أصبحت حالة الطوارئ خلال السنوات الستة والأربعين الماضية هي القاعدة في سوريا، بينما بقيت الأوضاع العادية في البلاد هي الاستثناء ؟!! وكان لذلك العديد من الإفرازات السلبية والآثار القانونية الخطيرة على حقوق الإنسان، مثل:

  انعدام ممارسة السلطة القضائية لأية صلاحية بصدد الاعتقالات، و حرمان المواطنين من ممارسة حقهم في الطلب من القضاء البت بشرعية توقيف أي شخص، وحجب حق الدفاع عن المعتقل، وتوكيل وكيل قانوني للتشاور معه والدفاع عنه، ومنع ذوي المعتقل من معرفة مصيره أو التهم الموجهة إليه، ومراقبة الاتصالات الهاتفية والبريدية والبريد الالكتروني وحجب العديد من المواقع على شبكة الانترنت، وإلغاء حصانة الملكية الفردية، وفقدان شخصية العقوبة، وتراجع الفكر وانحسار الإبداع، وتفشي ظاهرة الفساد والإفساد والرشوة…الخ.
  لقد أعلنت حالة الطوارئ في سوريا، نظراً للتغيير الذي حصل في سوريا على أثر الانقلاب العسكري، وهي وفق تسميتها حالة استثنائية طارئة، وكل طارئ هو مؤقت، لذلك فلا بد أن يكون له بداية ونهاية.

 كما أن حالة الطوارئ، هي حالة استثنائية تستدعي علاج غير طبيعي ومؤقت…، ويجب أن تعالج وفق طبيعتها وعلى أساسه، وهي في النتيجة تخضع لضوابط وشروط محددة، وهي:
– أن تكون هناك حالة حرب أو حالة تهديد بوقوعها.
– أن تكون هناك حالة تعرض الأمن أو النظام العام في أراضي القطر أو في جزء منه للخطر بسبب اضطرابات داخلية أو كوارث عامة.
  ونعتقد أن حالة الطوارئ في سوريا، انقضت عملياً وفعلياً بمرور الزمن وانقضاء الحالة التي أعلنت من أجلها، وهي التطورات التي طرأت على السلطة، وباستقرار الحكم لم يعد هناك أي مبرر لاستمرار هذه الحالة المؤقتة، كما أنه لا يوجد ما يبرر الاستمرار في حالة الطوارئ بالاستناد إلى الشروط السابقة التي أتينا على ذكرها، نظراً لعدم وجودها والمعدوم لا ينتج أثراً.


  أضف إلى كل ذلك أن قانون إعلان حالة الطوارئ الصادر بالمرسوم التشريعي رقم ( 51 ) لعام 1962 جاء في إطار حياة برلمانية ديمقراطية وتحت سقف مجلس النواب، وترك القرار في استمرار حالة الطوارئ بيد مجلس النواب، إلا أن المرسوم المذكور الذي تم بموجبه إعلان حالة الطوارئ لم يعرض على البرلمان حتى الآن.
  كما أن حالة الحرب التي أجازت المادة الأولى من المرسوم التشريعي رقم ( 51 ) لعام 1962 إعلان حالة الطوارئ في ظلها غير محددة أو معرفة في هذا المرسوم، ولكن قانون الجيش عرف حالة الحرب بأنها: ( الحالة التي تعقب إعلان التعبئة العامة مباشرة ).
  ومن المعروف أيضاً، أنه في دولة القانون تكمل التشريعات بعضها بعضاً، الأمر الذي يعني بالضرورة أن إنهاء حالة التعبئة العامة، يعني بالضرورة إنهاء حالة الطوارئ وهذا ما لم يحصل في سوريا.


  ونود أن نؤكد هنا أيضاً أن حالة الطوارئ تم الإعلان عنها من قبل مجلس قيادة الثورة بالأمر العسكري رقم ( 2 ) تاريخ 8 / 3 / 1963 في حين أن الجهة المخولة بإعلان حالة الطوارئ في المرسوم المذكور هي مجلس الوزراء المجتمع برئاسة رئيس الجمهورية، وبالتالي فإن جميع الأوامر العرفية التي صدرت خلال الفترة الماضية إنما صدرت خارج دائرة القانون.
  ومن جهة أخرى فأن المادة الثانية من المرسوم التشريعي ( 51 ) لعام 1962 تتعارض مع المادة ( 101 ) من الدستور السوري لجهة السلطة المخولة بإعلان حالة الطوارئ، ففي حين نصت المادة الثانية من المرسوم التشريعي رقم ( 51 ) لعام 1962بأن السلطة المخولة بإعلان حالة الطوارئ هي مجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية، جاء في نص المادة ( 101 ) من الدستور السوري لعام 1973 بأن رئيس الجمهورية هو وحده الذي يعلن حالة الطوارئ ويلغيها على الوجه المبين في القانون.
 وحيث أن جميع القوانين النافذة في سوريا يجب أن تنسجم مع الدستور وإلا أصبحت غير دستورية ( شرعية القوانين ) وفاقدة لوجودها، لذلك فأن حالة الطوارئ تعتبر غير شرعية وغير دستورية.
 استناداً إلى ما تقدم نستطيع أن نقول: أن استمرار العمل بحالة الطوارئ، ليس له مبرر سوى مصادرة الحقوق والحريات الأساسية للمواطن السوري وقمع الحراك المجتمعي للفعاليات السياسية والحقوقية والاجتماعية والثقافية…السورية، وإغراق البلاد في أتون الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية… التي تهدد وحدته الوطنية ونسيجه الاجتماعي ونشر الفساد والإفساد في كل مفاصل الدولة وأجهزتها ومؤسساتها المختلفة وجعل اليد الطولى في البلاد للأجهزة الأمنية للتحكم في الحياة العامة وتعزيز سيطرة الحزب الواحد واحتكاره واستئثاره بكل شيء.

افتتاحية العدد ( 28 ) آذار 2009 من جريدة ( العدالة )، الشهرية، التي تصدرها المنظمة الكردية للدفاع عن حقوق الإنسان والحريات العامة في سوريا ( DAD )
 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…