تركيا هدف ثمين للمعارضة السلمية

مرشد اليوسف

شكل فوز حزب المجتمع الديمقراطي (الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني) في الانتخابات البلدية في تركيا بتاريخ 29/3/2009 منعطفا تاريخيا جديدا لا نظير له في الماضي من حيث مغزاه وآثاره بالنسبة إلى مجمل تطور الوضع السياسي الكردي التركي, لقد فتح هذا الفوز عصرا جديدا في تاريخ النضال الوطني الكردي في تركيا.
إن التقويم الرفيع لهذا الفوز ينبع أساسا من التضحيات الكبيرة التي قدمها حزب العمال الكردستاني والشعب الكردي طوال ربع قرن مضى, فالحرب الظالمة التي شنها النظام التركي على الشعب الكردي في تركيا وحزبه الطليعي حزب العمال الكردستاني جلبت إلى ملايين الأكراد مصائب وآلام لا تحصى وأدت إلى تدمير الحياة في كردستان وكانت درسا صارما لمعظم الأكراد
لقد شعر الملايين منهم بأنهم مواطنون وأسياد لمستقبلهم فصنعوا هذا الفوز ببطولة وتفان ومبادرة انتخابية خلاقة , إن هذا الفوز العظيم أثبت عمليا مدى ما يتمتع به القادة السياسيون في حزب المجتمع الديمقراطي من قوة سياسية وتثقيفية وتنظيمية جبارة.
لقد وضع هذا الفوز العظيم كل من حزب العمال الكردستاني والنظام التركي أمام  مسؤوليات تاريخية كبيرة بالنسبة للشعبين الشقيقين الكردي والتركي وعليهما أن يقوما بخطوة أخرى لوقف الحرب والعمليات العسكرية والجلوس على طاولة المفاوضات السلمية, والسؤال الذي يطرح نفسه هو:
– هل الطرفان مهيآن في الوقت الحاضر للمفاوضات السلمية؟
أعتقد أن حزب التنمية والعدالة بقيادة أردغان الذي مارس سياسة التقية والخداع السياسي تجاه الأكراد والجيش معا لفترة طويلة انكشف أمره على الأقل بالنسبة لمعظم الشعب الكردي, وحسم الأكراد أمرهم في هذه الانتخابات وقرروا الانفلات من قبضته و الوقوف إلى جانب حزبهم (حزب العمال الكردستاني وجناحه السياسي) وحقهم القومي وقضيتهم العادلة (وهو أول الغيث) ولم يعد بوسع أردوغان أو غيره من الساسة الأتراك خداع الأكراد مرة أخرى بعد اليوم .
وبالمقابل انتقل حزب العمال الكردستاني إلى موقع القوة و امتلك قوة الحل, وأصبح الشعب الكردي فعليا بعد هذه الانتخابات قوة ثانية في تركيا وورقة انتخاب رابحة يحسب لها ألف حساب في الانتخابات التشريعية القادمة وسيكون محط أنظار الجميع و بيضة القبان في ترجيح المعادلة السياسية و حكم تركيا في المستقبل القريب, وليس أمام أردوغان وغيره من القادة السياسيين الأتراك إذا أرادوا أن يحكموا تركيا تجاهل جبال زاغروس وشراكة الأكراد, وهذا غيض من فيض, وعلى حزب العمال الكردستاني الذي أصبح اليوم في موقع الاقتدار الشعبي والجماهيري وهو أمضى سلاح أن يفك الشيفرة ويلتقط رأس الخيط وأن يدرك أن تركيا اليوم هدف ثمين للمعارضة السلمية (ليس للحرب) و أن الحرية التي تأتي بالعنف ليست الحرية المطلوبة في زمن الانفراج الدولي, و إن إقليم كردستان العراق يحتاج إلى الهدوء, وأن وضع تركيا الحالي يشبه وضع بريطانيا أيام الزعيم الهندي غاندي الذي استخدم بفاعلية وسائل سلمية ودبلوماسية لتحرير شعبه, وقام غاندي باستخدام أساليب المقاومة السلمية التي أثبطت همة الحكومة البريطانية وأكسبته الإعجاب والاحترام في الهند وكافة أنحاء العالم.


وقاد الزعيم غاندي حركة الاستقلال الهندية في ثورة بيضاء، لا تتضمن أي عنف أو إراقة للدماء ، وعلى العمال الكردستاني أن يغتنم هذه الفرصة ويجمد سلاحه ونشاطه العسكري إلى حين بحيث لا يقتل الذئب ولا يفنى الغنم, وأن يستخدم بفعالية سلاحه الجماهيري السلمي , وأن يحتكم إلى صندوق الانتخاب وأن يضع صلاحيات التفاوض والحل  بيد حزب المجتمع الديمقراطي (جناحه السياسي) لمدة محددة أو حتى الانتخابات التشريعية التركية القادمة خاصة وأن الحزب الأخير على موعد اللقاء مع الرئيس الأمريكي أوباما في الأيام القادمة.

m.yousef2@yahoo.com

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…