في شأن سورية وأكرادها … والمستقبل

  ياسين الحاج صالح   

«إلى مشعل التمّو»

من وضع بدئي غير سيء مقارنة بتركيا والعراق وإيران، خلا من أي تمرد جزئي أو عام، سارت أمور العلاقة بين السلطات السورية والجماعة الكردية المحلية نحو مأزق يغرّبهم عن بلدهم ولا يخدم أية قضية إيجابية فيه.

وما هو أسوأ من الحال الراهن للكرد السوريين أن البلاد تفتقر إلى أية رؤية واضحة للتعامل مع شأن يخص نحو 10 في المئة من السكان.

هناك تراكم سلبي لا تعدل من تأثيره خطة وطنية غائبة لمعالجة ما هو في الواقع مشكلة وطنية.

ولذلك تتجه جملة التفاعلات المتصلة بالشأن الكردي السوري إلى صنع «مسألة كردية» سوف تفرض نفسها على البلاد ذات يوم، فيما يبدو أن تفاعلات مختلفة في تركيا تحفز ديناميات إيجابية انطلاقا من وضع أولي بالغ السوء.

ومثل ذلك في العراق، وإن كانت الديناميات السياسية العراقية مفتوحة على الأفضل والأسوأ على حد سواء.

وخلافا للبلدين، ولإيران أيضا، لم يمارس الأكراد عنفا مسلحا قط ضد السلطات أو ضد أي جمهور عربي في سورية.

ليس في الساحة الكردية السورية، على تشرذم شديد مميز لها، من يقبل بالوضع الراهن لأكراد البلاد أو لا يرى فيه مشكلة.

ثمة إجماع في هذا الشأن، يرفده منذ مطلع العهد الحالي موقف مماثل لعموم المهتمين العرب بالشأن العام على اختلاف في المعالجات التي قد تُقترح (سقف الجميع هو وحدة سورية والشراكة الوطنية فيها).

والحال ان هناك مشكلة بالفعل، ولها بعد أخلاقي بارز، إلى حد أنه مهما يكن التوجه السياسي للمرء فإنه لا يمكن أن يجد الوضع الحالي للجماعة الكردية السورية مقبولا: نحو مليونين من السوريين لا يعترف بوجودهم الثقافي والسياسي، ولا يباح لهم تعلم لغتهم والعناية بتنمية شخصيتهم وثقافتهم (خلافا لمجموعات غير عربية أصغر منهم بكثير)، وتجري ضدهم أشكال من التمييز المولد للضغائن، ويحرم عدد كبير منهم من الجنسية رغم أنهم غير محسوبين على أية دولة أخرى (يجري الكلام على ربع مليون، لكن الأرقام مسيسة جدا، وقد تكون منفوخة قليلا).
ليس هناك شيء يمكن أن يضفي الشرعية على أوضاع كهذه، ولا يبدو أن السلطات السورية تتوفر على «سردية» من أي نوع تسوّغ ممارساتها التمييزية.

وهي بعد لا تعترف بشيء ولا تصلح شيئا كي يكون بإمكانها التحفظ عن شيء أو رفض شيء آخر.

هذا مسلك غريب ويصعب فهمه، وإن كانت أشباهه كثيرة في سورية المعاصرة.

في المحصلة، يستبطن الجمهور الكردي السوري مشاعر بالمرارة والغربة، وتتطور في أوساطه روح انفصال نفسي وثقافي، تغذي استعدادا لانفصال سياسي إن واتت الظروف.
في الأمر ما ينال من ضميرنا، نحن المثقفين والناشطين السياسيين العرب، قبل أن ينال من مواطنينا الأكراد أو يهينهم.

هذه قضية تأسيسية أكثر مما هي سياسية، أعني قضية وطنية، تتصل بفهمنا لبلدنا ومستقبله وازدهاره المأمول.

وهي قضية تقدمية بأتمّ معنى للكلمة، تجمع بين العدالة والأخلاقية من جهة، وبين التوافق مع أي تصور مستنير للمصلحة الوطنية السورية، وبين تعذر تصور «اتجاه للتاريخ» يهمّشها أو يقلل من شرعيتها.

بالمقابل لا يمكن بناء قضية تقدمية حول استبعاد الأكراد السوريين الثقافي والاجتماعي، والسياسي، من سورية المعاصرة.
عرفت السنوات الأخيرة توترات متكررة بين الجمهور الكردي في مختلف أرجاء البلاد والسلطات.

بلغت ذروتها في آذار (مارس) 2004 حين سقط نحو ثلاثين كرديا في مدينة القامشلي (أقصى شمال شرق البلاد) عندمـــا واجهت السلطات بالعنــف احتجاجــات شعبيــة على تعاملها العنيف مع أحداث شغب تلت مباراة لكرة القدم.

مبعث الاحتجاجات هذه والتوترات تلك هو ظلامات حقيقية يشكو منها الجمهور الكردي، وإن تكن حفزتها أيضا تغيرات جيوسياسية كبيرة كالاحتلال الأميركي للعراق وارتفاع وزن إخوانهم الأكراد في العراق ما بعد البعثي.

وفي آذار من كل سنة يتوجس المرء خيفة من تصادم جديد بين جمهور كردي لا ينال ما هو جدير به من احترام واعتراف، ولا يقترح عليه شيء ولا يوعَد بشيء، وبين سلطات تجد ما يستفزها في مشهد جمهور محتفل بعيد النيروز أو شبان يقفون دقائق صامتين في ذكرى مذبحة حلبجة.

قبل عام من اليوم سقط ثلاثة شبان على يد عناصر الأمن بينما كانوا يحتفلون بالنيروز.

وبين حين وآخر ترد أخبار عن «انتحار» مجند كردي (ثلاثة حوادث من هذا النوع أو أربعة في السنوات الأخيرة)، أو يعتقل طلاب جامعيون من جامعة حلب وقفوا حدادا في ذكرى حلبجة (يفرج عنهم سريعا عادة، لكن قيل إن أربعة منهم ما زالوا قيد التوقيف بعد أيام على الواقعة).
كل ذلك يسمم المناخات العامة في البلد، ويدفع قطاعات من الكرد السوريين إلى معاداة العرب بما هم كذلك.

لم تكن نادرة في السنوات الأخيرة كتابات وتصريحات كردية تجمع بين سقم فكري وأخلاقي شديد وبين تمركز شوفيني حول الذات، يتفوق على أشنع التعبيرات الشوفينية العربية.

هذا مسلك خاطئ بالمطلق، ولا تصح مجاملته وتبريره، لكن فرصتنا في التغلب أكبر بكثير بقدر ما نتبين جذوره وندرك مسؤوليتنا، السلطات السياسية أولا والمثقفون العرب السوريون ثانيا، وعموم المهتمين بالشأن العام ثالثا، وجمهور الأكثرية العربية رابعا، عن جانب أساسي من التطرف الكردي.

ويتعين أن يكون هذا الإدراك خطوة تمهيدية في عملية  أوسع، تدرج الظلامة الكردية في جهد وطني يعالج شكاوى مواطنينا الأكراد بما هي أوجه لمشكلة وطنية عامة.
منذ سنوات طويلة وشهر آذار، يوم النيروز بخاصة، موسم للتوتر والاستياء في الوسط الكردي السوري.

وفي السنوات الأخيرة تحول الاستياء إلى غضب، وأخذت تتطور خطابات ورؤى خلاصية، تريد التخلص من الحال كيفما كان.

والحال إن من المرغوب والواجب أن يكون آذار والنيروز موسما للإخاء والمساواة بين السوريين، وانبعاثا لشراكتهم الوطنية.

أليس النيروز عيد الربيع؟

  الحياة- 22/03/09/

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان من المؤسف أن يظهر بيننا اليوم بعض الكتبة حديثي العهد ممن يتعاملون مع تاريخ الكتابة والإبداع الكوردي وكأنه بدأ معهم، فيسارعون إلى التشكيك في إنتاج كتاب ومفكرين وأكاديميين كورد، وكأن ما سبقهم لم يكن موجوداً، أو كأن الكتابة لم تكن لها أثمانها في زمن لم تكن فيه وسائل التواصل الاجتماعي، ولا الذكاء الاصطناعي، ولا تلك المساحات…

علي جزيري يُضفي الموقعان الفلكي والجغرافي أهمية جيوبولوتيكية على بلاد الكرد؛ وتضفي مساحتها التي تناهز مساحة فرنسا القارية، وتركيبها الجيولوجي، ووقوعها في قلب الشرق الأوسط أهمية استراتيجية بالغة، ولاسيما أنها تطفو على بحر من النفط والغاز، وكانت تمرُّ فيها قديماً طرق (الحرير البرية القادمة من الصين، والتوابل من الهند، والبخور من شبه الجزيرة العربية متجهة نحو البحر المتوسط وأوروبا)، إضافة…

عمر كوجري / رئيس تحرير صحيفة كوردستان تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 من قبل مجموعة من المثقفين الكورد والأتراك، وكان هدفه الأساسي والرئيسي وقتذاك (تحرير وتوحيد كوردستان) ولأنه جاء، وتأسس بهدف دسم وقوي، فقد استطاع أن يكوّن أرضية قوية وصلبة من المؤيدين، وخاصة فئة الشباب آنذاك استفاد الحزب بطبيعة الحال من الوضع السياسي غير المستقر والمتأزم للحركة السياسية الكوردية…

كۆهدرز تمر إن مصائر الشعوب، ودماء أبنائها، وقضاياها الوطنية ليست مجرد حقول تجارب للأفراد أو الأحزاب أو التنظيمات؛ بل هي أمانة تاريخية كبرى تثقل كواهلهم. لذا، واستناداً إلى الأعراف السياسية والأخلاقية، نرى لزاماً على القيادات التي تفشل في تحقيق طموحات شعوبها وأنصارها أن تتحلى بجرأة الاستقالة والاعتذار أمام الشعب والتاريخ. إن جرَّ شعبٍ بأكمله لعقود من الزمن تحت بريق…