محمدالشرف الحسيني
لم يكن الاستفتاء الكوردي في 25 أيلول 2017 مجرد تصويت على ورقة، ولا خطوة سياسية عابرة يمكن قراءتها بمعزل عن سياقها التاريخي والجيوسياسي؛ بل كان، في تقديري، ضربة سياسية ودبلوماسية استباقية أرادت من خلالها القيادة الكوردية نقل القضية من موقع الدفاع المستمر إلى موقع المبادرة، وفرضها على طاولة الإقليم والعالم بوصفها قضية سياسية لا يمكن تجاهلها، وردًّا قويًّا على نيات بغداد تجاه إقليم كوردستان بعد هزيمة داعش. فالدولة التي سلّمت عدة محافظات للدواعش كانت تبغي إسقاط إقليم كوردستان بتلك الأيدي الإرهابية، لتقوم هي بدور المحرر للشعب الكوردي. وهذا ما ادعته أثناء تحرير شنكال.
قرأت أربيل نيات بغداد بأدق تفاصيلها، وإنكارها لدور الكورد في محاربة الإرهاب، وتهرّبها من التفاهمات والاتفاقيات المبرمة مع أربيل بهذا الخصوص.
وقد جاءت تلك الخطوة في لحظة كان فيها الكورد قد خرجوا من واحدة من أعقد مراحل تاريخهم الحديث. فالحرب على داعش وضعت قوات البيشمركة في مواجهة مباشرة مع التنظيم، واستطاعت القوات الكوردية خلال تلك الحرب استعادة مساحات واسعة، ولا سيما في المناطق المتنازع عليها، بينما كانت بغداد تعاني من ضعف مؤسساتها العسكرية والأمنية ومن تداعيات الحرب. وفي هذا السياق، بدا للكثير من الكورد أن اللحظة السياسية التي أفرزتها الحرب قد تكون نافذة تاريخية لإعادة طرح سؤال المستقبل الكوردي.
وكانت المادة 140 من الدستور العراقي تمثل أحد المسارات الدستورية لحل قضية المناطق المتنازع عليها، إلا أن تنفيذها بقي معطلًا ولم يصل إلى مراحله النهائية. ومن هنا نشأ تناقض واضح بين نص دستوري يعترف بالعراق الاتحادي، وبين ممارسة سياسية اتسمت، في ملفات عديدة، بالنزعة المركزية والصراع على الصلاحيات.
لذلك جاء الاستفتاء، بالنسبة إلى أنصاره، بوصفه محاولة لنقل المبادرة من انتظار تنفيذ النصوص إلى طرح الإرادة الشعبية الكوردية بصورة مباشرة. وقد شارك أكثر من ثلاثة ملايين ناخب، وأعلنت المفوضية أن نسبة التصويت بـ«نعم» بلغت 92.73% من الأصوات الصحيحة.
لكن الاستفتاء لم يكشف خريطة الإرادة الكوردية فحسب؛ لقد كان كشفًا لخريطة الخصوم أيضًا.
فبغداد وأنقرة وطهران ودمشق، رغم اختلاف مصالحها وصراعاتها في ملفات إقليمية أخرى، تلاقت في موقفها الرافض لأي تطور يُترجم المشروع القومي الكوردي إلى كيان مستقل أو نفوذ سياسي أوسع. وفي حالة الاستفتاء العراقي تحديدًا، ظهرت بصورة واضحة آليات التنسيق بين بغداد وأنقرة وطهران ودمشق؛ من الضغوط السياسية والاقتصادية إلى التحركات العسكرية على الحدود. فقد بدأت تركيا مناوراتها العسكرية قرب سيلوبي ومعبر خابور الحدودي قبل الاستفتاء، ثم شاركت القوات العراقية في مناورات مشتركة مع الجيش التركي، كما جرى تنسيق عسكري وسياسي بين بغداد وطهران وأنقرة.
وهنا يمكن التمييز بين مستويين: في القضايا الإقليمية العامة كان هذا المحور متباين المصالح، أما في مواجهة القضية القومية الكوردية فقد ظهر كحلف رباعي ثابت في رفضه لأي تحول استراتيجي في موقع الكورد.
وكانت تركيا الأكثر وضوحًا في رد فعلها؛ فقد أعلنت رفضها للاستفتاء، ولوّحت بإجراءات اقتصادية وسياسية وحتى عسكرية، بالتوازي مع تعاونها مع بغداد وطهران. وأجرت قواتها مناورات عسكرية قرب الحدود العراقية في سيلوبي ومعبر خابور الحدودي قبل موعد التصويت مباشرة، وبعده أيضًا، وأبقت الأصابع على الزناد.
ومن هنا تبرز المفارقة التركية في قراءة تلك المرحلة. فبدل أن تتعامل أنقرة مع التحولات التي أعقبت الحرب على داعش وتداعيات سقوط نظام البعث بوصفها فرصة لإعادة بناء نفوذها الاقتصادي والسياسي في العراق، ولا سيما في ولاية الموصل (الموصل، أربيل، تكريت، كركوك، السليمانية، دهوك)، اختارت مواجهة الاستفتاء بصورة مباشرة. أما القول إن تركيا «أدركت لاحقًا خطأها» أو أنها أضاعت فرصة استراتيجية، فهو قراءة سياسية للنتائج اللاحقة والتغيرات السياسية في المنطقة والعالم.
لكن الأخطر لم يكن في الضغط الخارجي وحده.
فعندما عجز خصوم الاستفتاء عن إسقاطه سياسيًا قبل إجرائه، ظهرت أهمية الانقسام الكوردي الداخلي. فقد كانت مواقف القوى الكوردية نفسها غير موحدة باطنيًا تجاه الاستفتاء، وبرزت اعتراضات ومقاطعة من بعض القوى السياسية، ولا سيما داخل الاتحاد الوطني الكوردستاني وحركة التغيير، بعد إجراء الاستفتاء.
ثم جاء الاختبار العسكري سريعًا.
في 16 تشرين الأول 2017، تقدمت القوات العراقية، بمشاركة قوات من الحشد الشعبي، نحو كركوك والمناطق المتنازع عليها، وانسحبت قوات بيشمركة من مواقع عدة، وكانت أجزاء مهمة من جبهة كركوك تحت سيطرة قوات مرتبطة بالاتحاد الوطني الكوردستاني. وقد وصفت قيادات في الاتحاد الوطني الانسحاب بأنه تحرك تكتيكي فرضته موازين القوة، وأعلنت أنها لن تتصدى للجيش العراقي، معلنةً بذلك عدم مسؤوليتها عن نتائج الاستفتاء، بينما اتهمت قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني وأطراف كوردية أخرى جهات من الاتحاد الوطني بالخيانة أو بالتنسيق مع بغداد. وتؤكد الدراسات التي تناولت الحدث أن الانقسام الحزبي داخل قوات البيشمركة كان عاملًا أساسيًا في إضعاف القدرة الكوردية على الدفاع الموحد عن المناطق المتنازع عليها وعن إقليم كوردستان نفسه.
وهكذا لم يكن إسقاط نتائج الاستفتاء عملية خارجية فقط؛ بل استفاد خصومه أيضًا من الانقسام الكوردي الداخلي، فتحولت الخلافات السياسية إلى عامل عسكري وميداني حاسم.
لقد كان الاستفتاء لحظة كوردية كشفت حجم الإرادة الشعبية، لكنها كشفت في الوقت نفسه هشاشة البنية السياسية والعسكرية الموحدة.
الكورد عرفوا خريطة خصومهم، لكنهم لم ينجحوا في تلك اللحظة في توحيد خريطتهم الداخلية.
ولهذا فإن قراءة استفتاء 2017 لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال: هل نجح أم فشل؟
الأهم أنه نقل القضية الكوردية إلى مرحلة أخرى: مرحلة لم يعد فيها السؤال الكوردي شأنًا داخليًا يمكن تأجيله أو احتواؤه بسهولة، بل أصبح ملفًا إقليميًا مكشوفًا، ظهرت حوله بوضوح مواقع الخصوم، وحدود الحلفاء، ونقاط القوة والضعف داخل البيت الكوردي نفسه.
لقد كان الاستفتاء ضربة سياسية استباقية، وكشفًا لخريطة الخصوم، واختبارًا قاسيًا لوحدة البيت الكوردي.