ضحكة أم إبراهيم يوسف وهي في وداعها الأخير

ابراهيم محمود

ضحكت روح أم إبراهيم يوسف ضحكتها الأخيرة في وداعها الأخير في يومها الأخير في لحظة حياتها الأخيرة حيث الساعة الثالثة عصراً كان توقيتها الزمني في يوم الجمعة المفجوعة (وما أكثرها جمعاتنا الحزينة!) في تاريخ معنَّى هو 13-22009، في بيتها المنكسر الظهر حزناً، ضحكت روحها ضحكتها الأخير في جسد عليل، ربما كان كذلك مذ ولد، وعاشت وهي تضحك بروحها رغم عللها الجسدية، وأخيراً أطلقت العنان لجسدها عبر ضحكتها الأخيرة تلك، مأخوذة بساعة قدرها الأخيرة العسيرة جداً، وعيناها في أوج تفتحهما على الباب المنكمش على نفسه، على الشباك المدثّر بالحزن قياماً، عيناها الشاهقتان على كل حركة، نأمة ، لأن ابنها الذي لطالما اشتهت رؤيته في لحظات موتها الجليل، أي إبراهيم يوسف، كان يبكي بروحه للمرة الثانية (في المرة الأولى لحظة رحيل أبيه قبل عدة سنوات)
، كان يبكيها خلاف عادته، وهو في الإمارات مكدوداً في كرديته، مهدوداً في سوريته، إذ إنه ومنذ شهور عدة، لا تسعفه العدة في تأمين ولو زاوية مهملة ليمضي فيها حياته المتبقية عاملاً بجسده العليل هو الآخر، رغم العمر الطويل نسبياً والمتناثر في جهاته الأربع، كان في الإمارات، ساعياً إلى تأمين ولو أصغر إمارة تأويه، تمنحه الحق المتواضع في إقامة حياته المتبقية..

وعيناه على جهاته، على الجهة التي يرى عبرها طيف أمه أكثر.
أم إبراهيم يوسف في ضحكتها الأخيرة، أبقت عينيها مفتوحتين وأكثر من دمعة كانت شاهدة عيان على جرحها العائلي الروحي المنشأ، كما أعلمني حفيدها المسكون بشبح الموت خلاف العادة منذ 20 آذار2008، أي كرم إبراهيم يوسف، الذي صار يفلسف الموت مرغماً وهو في أوج شبوبيته، خلاف المعتاد.
موت على الطريقة الوطنية في مشهدها العائلي المفجوع، موت أتمُّ قيامةً على الطريقة الكردية، في مشهدها العائلي الصارخ، حيث الواجب على كبير العائلة كما هو المألوف غالباً، وبعد أن يتقدم به العمر، أن يعيش دورة حياة مضاعفة، دورة حياة ثانية، خلاف قانون الطبيعة عندنا، لأن حياته الخاصة ترفض سعيه إلى راحة ولو نسبية، كما لو أنه ملزَم في أن يكون حالة شبابية حتى لو أنه تجاوز الشيخوخة القصوى، بعيداً عن بيته، عن عائلته، عن أولاده الصغار، عن وطنه المعنَّى داخله، داخل أوطان ترسم صورته على ضوء المقتبس من وطنه الأول المقِض لمضجع روحه.
وُوريت الثرى ليلاً أمُّ الشاعر الكاتب الصحفي المنكوب الروح إبراهيم يوسف في مقبرة قرية ” خزنة” البعيدة عن قامشلو مسافة حِزَمُ آلام نازفة حرَّى، وبينها وبين أبي إبراهيم، أعني زوجها الراحل وهو في مقبرة قرية ” تل معروف” على خط مستقيم، مسافة كيلومترات من الشوق والحنين والأسى الشاسع، وهي تحمل رسالة إلى رفيق دربها مختومة بألم الابن الكبير، وأحزان أخوته وأولاده وأقربائه ومحبّيه، وفي هجعة الليل الأليل كنت ألمح صدى ضحكتها البليغة، يتردد في الجوار، ضحكة غير معهودة، كما لو أنها كانت تنادي: يا إبراهيم ، يا إبراهيم، وهي تعبر قبرها الواسع إلى الجنة الأرحب..
سلام لك، عليك، باسمك يا أم الصديق المجروح في روحه: إبراهيم يوسف، سلام لك، عليك، باسمك، أيتها الكردية بكامل كينونتها، سلام لكم عليكم، باسمكم أيها المحيطون بطيفها الأجمل والأندى أهلها كافة، أحبتها كافة، أينما كنتم، وأينما وقفتم وجلستم وأنتم في مصابكم الكبير والمختلف.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

كمال بكر ربما لم يعد من المفيد، في هذه اللحظة تحديداً، أن نستمر في البحث عن إجابة لسؤال: من كان على صواب، ومن أخطأ في المرحلة السابقة؟ ليس لأن مراجعة الماضي لم تعد ضرورية، بل لأن المرحلة نفسها تغيّرت، ومع تغيّرها تبدلت الكثير من المعطيات السياسية والتنظيمية والإقليمية التي حكمت طريقة تعاملنا مع القضية الكردية في سوريا خلال السنوات الماضية….

خالد بهلوي يُعدّ الزواج حقًّا طبيعيًّا وحلمًا يسعى إلى تحقيقه كثير من الشباب السوريين، من أجل بناء أسرة وبدء حياة جديدة. إلا أن هذا الحلم تحوّل، في ظل الظروف الحالية، إلى تحدٍّ كبير؛ فمع غلاء المعيشة وزيادة الفقر والبطالة والهجرة والتقاليد الاجتماعية والتكاليف المتزايدة للزواج، يجد كثير من الشباب أنفسهم أمام طريق طويل وشاق لتحقيق حلم الاستقرار وتكوين أسرة تيجة…

د. محمود عباس ولكن أين أصبحت إيران اليوم؟ ولا تقف ثروات إيران عند النفط والغاز والزراعة. فهي من الدول الكبرى في عدد من الخامات المعدنية، ومن كبار منتجي خام الحديد والأسمنت والرصاص والباريت والموليبدينوم والجبس والحديد المختزل المباشر. أي إن لديها قاعدة طبيعية كان يمكن أن تقوم عليها صناعة ثقيلة وصناعات تحويلية ضخمة. لكن المادة الخام…

عبدالقادر حسن استعاد منتخب سوريا لكرة القدم السداسية صورته القوية في مونديال «SOCCA 2026» بمدينة إيسن الألمانية، وحجز بطاقة العبور إلى دور الـ16 بفوز كبير ومستحق على جورجيا بأربعة أهداف دون رد في مباراة تألق خلالها قائد المنتخب أياز عثمان بصورة لافتة. وجاء الهدف السوري الأول بعد تمريرة من أياز عثمان هيأ بها الكرة أمام محمد حجي الذي سددها بإتقان…