الكورد.. في المعادلة السياسية السورية (الحلقة الأولى)

پير روسته م
Pir1963@gmail.com

مدخل إلى الموضوع:

تعتبر الشعوب الهندوأوروبية إحدى الأرومة الأساسية في تكوين مجموعة كبيرة من شعوب العالم والذين يعودون (أي الآريون أو الهندوأوربيين) وحسبما “يدّعي وليام والمستشرقون الغربيون المختصون في فلسفة الأديان أن الآريين هم شعوب هندو أوروبية بشرتها بيضاء (أي الشُقر)، وأنهم حكموا الهند منذ حوالي 3000 سنة وكانوا حسب نظام الكاست الاجتماعي ينتمون الى خاصة الخاصة أي رجال الدين البراهمين، وأنهم أبناء الآلهة” (من ويكبيديا، الموسوعة الحرة).

وتنتشر هذه الشعوب ضمن مساحات جغرافية شاسعة تمتد من جبال أوروبا وقفقاسيا إلى سهول ووديان آسيا حيث كانت الهجرات لتلك القبائل البدوية الرعوية الباحثة عن الكلأ والمأوى لقطعان الماشية وبخصوص هذه المسألة تؤكد المصادر التاريخية بأن تلك الهجرات حصلت مطلع ﺍﻷلف ﺍﻟﺜﺎنية قبل ﺍﻟﻤﻴﻼﺩ وأمتزجت مع شعوبها الأصلية لتكون أمم وشعوب جديدة، وقد وصلت بعض تلك الهجرات إلى ميزوبوتاميا.

وهكذا فإن الشعب الكوردي يعتبر من الشعوب (الأصيلة) القديمة والتي سكنت ميزوبوتاميا وكوردستان الحالية وبالتالي فهي (أي كوردستان) ليست بـ(كيان مزروع) كما يحلو للبعض أن يسمي الجغرافية الكوردية بها وعلى غرار غيرها من الجغرافيات في المنطقة.

وبالتالي فإن الشعب الكوردي كمكون إجتماعي أتني يعتبر من الشعوب القديمة التي أستوطنت تاريخياً منطقة ميزوبوتاميا – ما يعرف حالياً بـ(ما بين النهرين) – وهم (أي الكورد) ينحدرون، وحسب الدراسات الأنتربولوجية، من أصول هندوأوروبية والتي تتوزع على فروع وشعوب وقبائل قديمة عدة؛ منهم الكورد والجرمان والفرس وغيرهم من الشعوب والأمم وفي أصول الكورد يقول “المؤرخ الكردي محمد أمين زكي (1880 – 1948) في كتابه (خلاصة تاريخ الكرد وكردستان) يتألف – أي الكورد، والتوضيح من عندنا – من طبقتين من الشعوب، الطبقة الأولى، وكانت تقطن كردستان منذ فجر التاريخ ويسميها محمد أمين زكي “شعوب جبال زاكروس”، وحسب رأي المؤرخ المذكور هي شعوب “لولو، كوتي، كورتي، جوتي، جودي، كاساي، سوباري، خالدي، ميتاني، هوري، نايري”، وهي الأصل القديم جداً للشعب الكردي والطبقة الثانية: هي طبقة الشعوب الهندو-أوروبية التي هاجرت إلى كردستان في القرن العاشر قبل الميلاد، واستوطنت كردستان مع شعوبها الأصلية وهم “الميديين والكاردوخيين”، وامتزجت مع شعوبها الأصلية ليشكلا معاً الأمة الكردية.

ولقد عرف الشعب الكوردي وكمجموع شعوب المنطقة مراحل قوة وإزدهار؛ (الامبراطورية الميدية في القرن السادس قبل الميلاد) وفي مراحل أخرى عاشت التقهقر والتراجع وهكذا فإن جغرافية (كوردستان) قد تعرضت تاريخياً للعديد من الحروب والويلات والانتكاسات وخاصةً بعد إنهيار الامبراطورية الميدية ولكن ومن الفترة الممتدة من القرن السادس قبل الميلاد (إنهيار ميديا) وإلى الفترة العثمانية فقد مر الكورد بما يعرف بمرحلة “الثغرة التاريخية”.

أما مصطلح كوردستان كمصطلح جغرافي فقد ظهر “أول مرة في القرن الـ12 الميلادي في عهد السلاجقة، عندما فصل السلطان السلجوقي سنجار القسم الغربي من إقليم الجبال وجعله ولاية تحت حكم قريبه سليمان شاه وأطلق عليه كردستان.

وكانت هذه الولاية تشتمل على الأراضي الممتدة بين أذربيجان ولورستان (مناطق سنا، دينور، همدان، كرمنشاه..

إلخ) إضافة إلى المناطق الواقعة غرب جبال زاجروس، مثل شهرزور وكوي سنجق”.

(موقع الجزيرة-نت).

ولكن الفترة الحديثة والتي شهدت بروز الفكر القومي و”الدولة القومية” في أوروبا أواسط القرن التاسع عشر، كان لها تأثيرها المباشر على ولادة الوعي القومي عند مجمل شعوب الشرق ومنهم الشعب الكوردي والذي عمل هو الآخر على نيل حريته وإستقلاله بعدما كان قد تعرض للتقسيم بين الامبراطوريتين العثمانية والصفوية إثر معركة جالديران 1514 ميلادية.

ولكن وعوضاً أن يتحقق حلم الكورد في دولة قومية واحدة على جزئي كوردستان المقسم آنذاك بين العثمانيين والصفويين أقتضت مصالح الدول الاستعمارية – الغربية والشرقية (المحلية) – بأن يتم تقسيم كوردستان مرة أخرى وبين دولٍ أربعة (تركيا، إيران، العراق وسوريا) وذلك بموجب إتفاقيات ومعاهدات جديدة شهدت ولادة حكومات إستعمارية محلية – سوريا والعراق بالإضافة إلى كلٍ من تركيا وإيران وريثتي الإمبراطوريتين العثمانية والصفوية – ليحلوا محل الاستعمار الغربي في إحتلالها لكوردستان.

وهكذا ألحق جزء من كوردستان وبموجب إتفاقيات سايكس-بيكو (1916) وغيرها من المعاهدات بالدولة السورية الحديثة.

وهكذا ونتيجةً لعوامل وحوامل سياسية عدة؛ منها تأثير الثورات الكوردية في الأجزاء الأخرى من كوردستان وذلك من خلال الدور الكبير لبعض تلك القيادات التي كانت قد لجأت إلى غرب كوردستان (سوريا) هرباً من قمع الأنظمة الإستعمارية أثر إنتكاسة الثورات الكوردية (ثورات صاصون، شيخ سعيد بيران 1925، إنتفاضة ديرسم 1937، ثورات البارزانيون الأولى 1931 والثانية 1943-1945 وكذلك ثورة أيلول 1961-1975 وغيرها العديد من الثورات والانتفاضات الكوردية) في تلك الأجزاء من كوردستان وعلى الأخص الجزء الشمالي (تركيا) فقد شهدت غرب كوردستان ولادة أول حزب سياسي (الحزب الديمقراطي الكردستاني) في (14.6.1957) والذي طرح في مرحلة التأسيس شعار “تحرير وتوحيد كوردستان” إلا أن ظروف الاعتقال في بداية الستينات من القرن الماضي (12 آب 1960) والتي شملت أغلبية القيادة في الحزب ومن ثم ونتيجةً للخلافات التي نشأت داخل السجن بين تياري الحزب أدى إلى إنقسامه بين اليمين واليسار وكان من نتائجها الكارثية على مستوى القضية الكوردية؛ التضحية بشعار الحزب ومن قِبَل الجناحين وهكذا أستمرت الخلافات داخل صفوف الحركة السياسية الكوردية وكانت من نتائجها الوخيمة تمزق الحركة في يومنا هذا بين العديد من الفصائل والكتل السياسية الحزبية.

هولير – 13/2/2009

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…