عنزة .. ولو طارت

صلاح بدرالدين

       كمثال للاشارة الى العناد والتشبث بموقف معين رغم الادلة المخالِفة .

يروى ان راعيين شاهدا شيئا اسود في الجانب الآخر من الوادي.

فقال الاول انه طائر، وقال الآخر انه عنزة.

واشتد الخلاف بينهما حول هوية هذا الشيء، وإذا به يطير فجأة.

عندئذ قال الاول: “ألم اقل لك انه طائر؟”، فأجاب الآخر: “عنزة ولو طارت”

         تلك الحكاية الشعبية الشهيرة التي تتناقلها الأجيال وترويها العامة على طريقتها في كل بلد وتحولت الى مثل شائع للتندر والاشارة الى من يركب الرأس ويصر على قول مناف للحقيقة والواقع ومناقض للمنطق والعقل السليم مثلما يفعله تماما قادة جماعات الاسلام السياسي عندما يحولون الهزيمة والدمار انتصارا.
       تزداد أعداد “العنزات الطائرة الملتحية” في هذه الأيام الى درجة حدوث أزمة طيران في سماء الشرق الأوسط أطلقتها ودعمتها بالفتاوى الشرعية الفقهية جماعات الاسلام السياسي وفي المقدمة شيوخ حركات الاخوان المسلمين الذين أضاعوا الآخرة والدنيا كما يبدو وأساؤوا لعقائدهم بنفس الدرجة التي ألحقوا فيها الأذية بشعوبهم استغلوا الدين الاسلامي لأغراض سياسية سلطوية مالية وعبثوا بأمن وسلامة الشعوب واختلقوا الذرائع للأعداء من أجل الانقضاض على النساء والأطفال والشيوخ في غزة وقبل ذلك في أفغانستان والعراق ولبنان ليعودوا بعد ذلك دون أن يرف لهم جفن لرفع شارات النصر.

  في أفغانستان توهموا وحاولوا أن يوهمونا وبعد كل مالحق بهم من قتل وهزائم وانكسار واختفاء وبعد أن لم يبق حجر على حجر ووصلت فلول القاعدة وطالبان الى الدول المجاورة وانتهى الأمر ببن لادن والملا عمر الى الاختباء في الكهوف وبقادتهم الآخرين الى معتقل غوانتينامو ظهر البعض منهم على شاشات الجزيرة القطرية ليعلنوا على الملأ ويبشروا الأمة أنهم انتصروا على العدو النصراني الصهيوني والعنزة تتابع الطيران .
   في العراق وعدوا وتوعدوا بأن المقاومة ستزلزل الأرض تحت أقدام الغزاة وأن عملية طرد قوات الاحتلال مسألة أيام وبعد أن ذهبت عهودهم أدراج الرياح وقتل من قتل من الزرقاوي الى آخر أمراء – الدولة الاسلامية – وهزم من هزم واستسلم الباقون ونقلوا البندقية الى الكتف الأخر برعاية الحكومة التي سموها – عميلة – ما زالت فلولهم الهاربة الى خارج العراق تدعي النصر من على شاشات الفضائيات القطرية والسورية ومازالت العنزة تحلق عاليا.
  في لبنان وبعد أن فرضوا على شعبه باسم المقاومة ومن وراء ظهر الحكومة الشرعية الديموقراطية دفع ثمن غال بمئات القتلى وآلاف الجرحى والمعاقين ومئات آلاف المهاجرين وخسائر بمليارات الدولارات وزعزعة أركان الدولة اللبنانية وتعميق الشرخ المذهبي قالوا بأن ذلك في سبيل التحرير دون أن يوضحوا تحرير ماذا أية منطقة أية بلدة أية أرض ؟ وكان هناك أم الانتصارات حيث بشر زعيم حزب الله بالنصر الالهي وحققت العنزة الطائرة أعلى رقم قياسي في عالم الطيران .
   واذا كان مقياس الانتصار بحجم الكوارث وأعداد جثث الأطفال والنساء ودرجات التدمير البنيوي فستكون حركة حماس في أوج انتصاراتها وقد تنبأ قادتها القابعين في دمشق منذ اللحظات الأولى من حرب غزة بالنصر المبين وكان واضحا أنهم حسب موقفهم السياسي المعلن يرغبون في اطالة أمد العدوان الاسرائيلي بعد أن اختبأت قواتهم التنفيذية والقسامية وقياداتهم الميدانية تحت الأرض ولابأس أن تتضاعف أعداد الضحايا وترتفع بالتالي وتيرة الانتصار وقد بلغ استخفاف قادة حركة حماس الاخوانية بعقول الآخرين حدا لايمكن تصوره وتحول خطابهم النافر المضلل أداة استفزازية مرفوضة ومستهجنة لدى أوساط المثقفين والمتابعين وممثلي الرأي العام ومناضلي الحركات الوطنية والديموقراطية في سائر أرجاء المنطقة وقد بلغ الرياء والنفاق أوجهما في رسائل حركات الاخوان المسلمين البليغة في لغتها الانشائية الفارغة من المحتوى والتي تتضمن التهاني والتبريكات بمناسبة انتصارات حماس الوهمية وكانت رسالة الاخوان السوريين الأكثر مبالغة والأقل صدقية تماما بدرجة رسالتهم المتهالكة قبل أيام الى رئيس نظام الاستبداد في دمشق – شريكهم الشرعي في الانتصار وأشياء أخرى – كل ذلك وما زالت العنزة تطير وتطير وليس بغريب أن تجتاز حدود الجاذبية الأرضية.


   من سوء حظ هذا الفسطاط انكشاف أمره أمام الجميع فهو يبحث عن سلطة الامارة كما طالبان وهو نصره المنشود وتنقصه الشجاعة لبيان ذلك وليس في وارد الانخراط في الصف الوطني والالتزام بالديموقراطية والعمل السياسي المشترك لا في ادارة الدول ولا في صفوف المعارضة الوطنية لأنه فشل في الحالتين ودفع الشعب والحركات الوطنية ثمن اختباره غاليا ولو كانت أطرافه الفاشلة المهزومة على قدر ولو بسيط من الالتزام بالمبادىء الوطنية والخلق القويم لتنادت بالاعتراف بالخطيئة والانسحاب وترك السياسة الوطنية لأهلها والاعتذار من الشعب على ما ألحقت  به من أذية وعادت من حيث أتت اي الى بيوت الله ومجاميع الزكاة والفقه والارشاد وقضايا الطلاق ونكاح المتعة والمسيار وماطاب لهم وميراث الأنثى دون أي تدخل في السياسة وأية وصاية على العمل الوطني .

      واذا كان الشيء بالشيء يذكر ومن باب الوفاء لابد القول أن عنزة جماعات الاسلام السياسي في منطقتنا لاترتبط بصلة القربى الى عنزة الزعيم الوطني الهندي المهاتما غاندي الذي لم يعلمها الطيران في فضاءات الممانعة والتعصب والعنصرية يوما من الأيام وهي شاهدة على تواضع صاحبها وجنوحه نحو حب الشعب والحفاظ على أمنه وسلامته وبناء جسور الأخوة والصداقة بين جميع القوميات والأديان والأجناس وتمسكه بالوحدة الوطنية والمصالحة والتسامح والتواضع مما أهلته لقيادة شعبه نحو الحرية والاستقلال عبر الحوار السلمي وتهدئة الخواطر والتمسك بالمصلحة الوطنية العليا .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…