على أمثالك .. يكون البكاء

المحامي إبراهيم حسين

ليست المشاعر قطعاً نتاج إرادة ..

بل هي قسر ندفع إليه بلا ترتيب ..

تتدافع الدموع أو ينشرح القلب بلا تعمد ..

صادقة هي المشاعر لأن يد الإنسان لا تستطيع أن تلونها أو تلوثها ..

صادقة هي المشاعر و المرء إن أخفاها عن المحيطين به فهولا يمكن أن يخفيها عن نفسه أبداً ..

ولهذا فقد جاءت وفاة المرحوم الأستاذ محمد نذير مصطفى لتكشف ما يخبئه داخلي تجاه ذلك الإنسان الذي طالما وقفت أمام قامته المديدة وجلاً فهذا الرجل يجبرك أن تختار كلماتك وتتعامل بحذر في كل تصرف ، لا لأنه متكبر بل لأنه كان جبلاً شامخاً ومخزوناً من ثقافة عجنتها الأيام يقدمها بتواضع يأسرك ويغلفها مراراً بلطف قل نظيره .

علمت وأنا أسمع أن روحه قد فاضت إلى بارئها أني أكن الكثير الكثير من الود له ..
هذا الرجل الذي قدم من رحم المعاناة بالغ في نكران الذات ليصبح أنموذجاً ..

عركته الحياة فألان عنقها وامتطى صهوة الكرامة ..

عاش في كل صغائر الأمور كبيراً وسار بخطوات ثابتة على سلم المجد فارتقاه ..

مثل هذا الرجل ليس كثيراً عليه أن يغلف حبه فؤادك ..

بل من (المرض ) أن يكون هناك من لا يحبه ..

وقد قال فيه من رافقه في رحلته بالمحاماة أنه لم يتسبب بأي إزعاج لأي من زملائه أو أي من القضاة أو الموظفين فكان بحق محامياً فهم مهنته على أنها مهنة الفرسان ..
كنت أعرفه سابقاً لكني خبرته عن قرب حين خلفته عضواً في مجلس فرع نقابة المحامين بالحسكة  ..

إذ كان مرجعاً لي في كل ما استشكل علي ..

بل كان الموجه الأول لي فجاءت نصائحه الصادقة لتقربني من الإحسان أو لتبعدني عن الشطط ..

تعلمت منه و أنا الذي منعتني ظروف مكتبه من التمرين فيه لأنه كان على الدوام مشغولاً بعدد من المتمرنين يفوق ما كانت أنظمة النقابة تسمح به ..

تعلمت منه أكثر ربما مما تعلمه منه المتدربون لديه ..

هم تعلموا منه صمتاً أبلغ من كل الكلام وتعلموا الأدب والقانون ورسالة المحاماة الحقيقية ..

 وأنا تعلمت منه فوق ذلك الكثير عن العمل النقابي ..

أذكر كلماته على الدوام حين قال لي وهو يهنئني بالنجاح في الانتخابات النقابية : عليك ألا تنغلق على نفسك فمنذ اليوم أنت أصبحت ممثلاً لكل المحامين عربهم قبل كردهم ومسيحييهم قبل مسلميهم ..

فهو رحمه الله كان مثالاً يحتذى في تنمية روح التآخي بين مختلف المكونات البشرية  في الجزيرة ..

وكان يدافع بشراسه وشجاعة عن حقوق الشعب الكردي دون أن ينسى الشركاء الآخرين في الوطن فهو يتمنى الخير لهم مثلما يتمناه لشعبه وأذكر أنه وجهني إبان أحداث القامشلي إلى إصدار بيان باسم المحامين الأكراد للتنديد بأي محاولة لتصوير تلك الأحداث وكأنها صراع بين العرب والأكراد وبعد أن كتبته تفضل رحمه الله بتشذيبه وأضاف عليه المزيد من العبارات التي تخدم الغاية من إصدار ذلك البيان والذي لقي فيما بعد صدى إيجابياً رائعاً لدى كل المحامين الذين اطلعوا عليه من إخواننا العرب ..

لكل هذا لم يكن غريباً أبداً أن تنهمر دموع أخينا العربي المحامي محمد نديم في قاعة المحامين بالقامشلي وهو يقرأ خبر نعي الراحل الكبير فبكى وأبكانا معه ..

ولم يكن غريباً أن يدخل معلمي الأستاذ منير حنا ( الكاثوليكي ) في حالة من الارتباك وهو يقرأ النعوة عدة مرات غير مصدق ويجلس جامداً وعيناه معلقتان في المدى الذي يقف عند ذاكرة طويلة  جمعته مع الراحل وجعلتهما أخوين حقيقيين..

ليس غريباً أن تضيق مقابر قدوربك في القامشلي بحشد هائل من خليط اجتماعي جاء ليودعه إلى مثواه الأخير وليس غريباً أبداً أن يأتي شيوخ العشائر العربية إلى خيمة العزاء أو يتقدم المطران الجليل متى روهم العشرات من رعايا كنيسته ليقدموا التعازي فهم مثلهم مثل إخوانهم الأكراد عرفوا أنهم يودعون رجلاً وطنياً من طينة الكبار ..

رحمك الله يا معلمي وحبيبي فقد جمعت بوفاتك كل محبيك وكل المؤمنين مثلك بقضايا الوطن وكل الذين يأملون مثلك أن تعود الأخوة بين مكونات الشعب السوري إلى سابق عهدها بعد أن تنفض عنها غباراً غريباً لن يؤثر على أصالة الجزيرة وشعبها ..

أدعو لك بالرحمة وأنا الذي تمنيت مراراً أن أضع بين يديك قرآناً لتحتمي به في رحلة علاجك من المرض الخبيث ولتتقرب به إلى بارئك ..

والآن وأنت بين يديه أسأله عز وجل أن يغفر لنا ولك ويبدلك داراً خيراً من دارك وأهلاً خيراً من أهلك ..

وعالماً أساسه العدل والرحمة خيراً من عالمنا الذي تحرفه المظالم عن سكة الخير وتكويه النعرات ويملؤه جور أهل الأرض ..

أبكيك اليوم ونحن ننهي مراسم تقبل العزاء وعلى أمثالك حقاً يكون البكاء ..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

كمال بكر ربما لم يعد من المفيد، في هذه اللحظة تحديداً، أن نستمر في البحث عن إجابة لسؤال: من كان على صواب، ومن أخطأ في المرحلة السابقة؟ ليس لأن مراجعة الماضي لم تعد ضرورية، بل لأن المرحلة نفسها تغيّرت، ومع تغيّرها تبدلت الكثير من المعطيات السياسية والتنظيمية والإقليمية التي حكمت طريقة تعاملنا مع القضية الكردية في سوريا خلال السنوات الماضية….

خالد بهلوي يُعدّ الزواج حقًّا طبيعيًّا وحلمًا يسعى إلى تحقيقه كثير من الشباب السوريين، من أجل بناء أسرة وبدء حياة جديدة. إلا أن هذا الحلم تحوّل، في ظل الظروف الحالية، إلى تحدٍّ كبير؛ فمع غلاء المعيشة وزيادة الفقر والبطالة والهجرة والتقاليد الاجتماعية والتكاليف المتزايدة للزواج، يجد كثير من الشباب أنفسهم أمام طريق طويل وشاق لتحقيق حلم الاستقرار وتكوين أسرة تيجة…

د. محمود عباس ولكن أين أصبحت إيران اليوم؟ ولا تقف ثروات إيران عند النفط والغاز والزراعة. فهي من الدول الكبرى في عدد من الخامات المعدنية، ومن كبار منتجي خام الحديد والأسمنت والرصاص والباريت والموليبدينوم والجبس والحديد المختزل المباشر. أي إن لديها قاعدة طبيعية كان يمكن أن تقوم عليها صناعة ثقيلة وصناعات تحويلية ضخمة. لكن المادة الخام…

عبدالقادر حسن استعاد منتخب سوريا لكرة القدم السداسية صورته القوية في مونديال «SOCCA 2026» بمدينة إيسن الألمانية، وحجز بطاقة العبور إلى دور الـ16 بفوز كبير ومستحق على جورجيا بأربعة أهداف دون رد في مباراة تألق خلالها قائد المنتخب أياز عثمان بصورة لافتة. وجاء الهدف السوري الأول بعد تمريرة من أياز عثمان هيأ بها الكرة أمام محمد حجي الذي سددها بإتقان…