وجهة نظر: لغة الأحذية وما دونها!

هوشنك أوسي

كانت الصورة، مفاجئة، مدوية… ومثيرة للاشمئزاز.

صورة أعادت الى الأذهان، صورة ذلك المواطن العراقي البسيط، الذي كان ينهال على صورة كبيرة للرئيس العراقي المخلوع، صدام حسين، شاتماً إياه، في 9/3/2003.

تلك الصورة التي تناقلتها وكالات الأنباء وشبكات التلفزة العالمية، كانت تعبيراً نفسياً وحسياً وثقافياً صارخاً لذلك المواطن المقهور عن جوانيته المصطلية بنيران الظلم والاستبداد والاستعباد الدامي، لعقود خلت، بعد أن شعر بزوال قاهره!
ولا شك في أن المشترك بين رمي الصحافي العراقي، الرئيس الأميركي جورج بوش بحذائه، في المؤتمر الصحافي في بغداد ليلة 14/12/2008، وبين صورة ذلك المواطن العراقي المذكور أعلاه، هو الحذاء والشتم.

لكن، ثمة فوارق أيضاً بينهما.

أقلها، اختلاف وعي الفاعل ومسلكه وحراكه، بين المواطن العادي، ومن يزعم العمل الصحافي، ما يشير الى انزلاق خطير ومشين ومهين في العمل الصحافي العربي.
لا خلاف في أن يديّ بوش ملطختان بدماء الشعب العراقي.

ولا خلاف في أن فظائع الحرب الأميركية على العراق، هي مثار شجب وإدانة.

ولا خلاف في أن مقاومة الاحتلال حق وواجب.

لكن، ألهذه الدرجة من الدنو والسوقية وصلت اللغة الصحافية، لدى من يزعم أنه «معارض للوجود الأميركي في العراق»؟! الحق، إن سلوكَ «صحافي» من هذه الطينة العربية «الغاضبة» و «الحانقة»، هو إهانة باذخة للإعلام العربي ككل.

وحين تلمح ابتسامات الغبطة والتشفي والسخرية، بادية على وجوه بعض مقدمي الأخبار، في فضائية إخبارية عربية مرموقة، لهو دليل على قبولها لهذه الإهانة.

هذا ناهيك، عن كون تلك الفضائية الموقرة، كانت ولا تزال تتعامى عن وجود أكبر قاعدة أميركية في منطقة الخليج، انطلقت منها، طائرات بوش، لقتل أطفال العراق!
هذه كانت زيارة بوش الرابعة للعراق، منذ بدء الحرب على نظام هذا البلد المنكوب.

وبالتأكيد، كان ذلك الصحافي العراقي، المشهور حالياً، يحضر المؤتمرات الصحافية لبوش، ومؤتمرات أركان إدارته في بغداد.

فلماذا أرجأ وقتئذ فعلته الإعلامية «الفصيحة» تلك؟! وما ليس قابلاً للنقاش، أن ذلك الصحافي، ليس الوطني العراقي الوحيد، في ذلك المؤتمر، وبقية «زملائه»، خونة وعملاء ومرتزقة… إلى آخره من هذه الديباجة الممجوجة السمجة إياها، التي يتبارى في صوغها، بعض فقهاء «المقاومة» و «الممانعة»، هنا وهناك، دفاعاً عن دحر الغزاة، بذبح المواطنين الأبرياء، وتفخيخ الأوطان، ورشق الأجنبي، أو من يخالفونهم الرأي، بالأحذية والشتائم! وما ليس قالباً للنقاش، ان تلك الحادثة، كانت إهانة للوعي الإعلامي والثقافي العربي، قبل أن تكون إهانة لبوش.

والسؤال المطروح هنا، ويُفترض أن يرد عليه من سيتناول هذا الحدث بالتعقيب والتحليل: لو تعرض المالكي، (الذي هو في عُرف البعض، «خائن وعميل»)، لفعلة مشينة كهذه، في إحدى العواصم الغربية، أما كانت النيران قد شبت في الشاشات العربية؟ وأما كانت ألسنة الإعلاميين العرب تلهج بـ «الغضب الساطع» على سلوك كهذا، واعتبرته إهانة للأمة العربية والإسلامية؟! ناهيكم بأن يكون أحد الزعماء العرب الآخرين عرضة لهذا الحدث، لكانت الحرب الإعلامية، وقطع العلاقات، والمسيرات المليونية الشعبية «العفوية» الجرارة… الخ، هي أبرز تجليات السخط والرفض لهذا السلوك.
بالتأكيد، سيجد ذلك الصحافي من يدافع عنه وعن سلوكه، ومن يكتب فيه المدونات العصماء الطوال، وربما قصائد المدح أيضاً! وبالتأكيد، سيجد من ينصّبه «أميراً» على قطاع الإعلام «المقاوم» و «الممانع».

وبالتأكيد أيضاً، أن هذا السلوك سيغدو مضرب مثل في «التعبير عن الرأي» لدى جوقة القومجيين والثورجيين القدامى والجدد.

ولن يكون مستغرباً، أن نجد سيرة هذا الصحافي، فيلماً سينمائياً عربياً، أو تتهافت عليه شركات إنتاج الدراما العربية.

وليس مستغرباً أيضاً انطلاق قناة فضائية جديدة، أو صحيفة عربية جديدة، تزعم المقاومة، ويكون اسمها أو شعارها «الحذاء»! بالنتيجة، لقد استطاع ذلك الصحافي «المقاوم الشجاع» خطف الأضواء من بوش والمالكي، وسيغدو حديث الناس، وشاغل الصحف، وكتاب المقالات، من الآن فصاعداً، ولأجلٍ مسمى.

لكنه نسي أنه صار رمزاً لمن دخل الفضاء الإعلامي، من بابه الأكثر بذاءة، وإساءةً للإعلام العربي.


الحياة- 16/12/08/

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…