هجرة المسيحيين من العراق…. وصداها في الجزيرة السورية؟

حسن برو

تتلون الجزيرة السورية بمكونات قومية وأثنية مختلفة، ففيها (يعيش الأكراد والعرب والأشوريين والكلدان والأرمن والشركس والشاشان)، ويعيش فيها (المسلمون والمسيحيون والايزيديون…).

ولذلك تجد كل يتجاور مع الآخر سواء قبل بذلك أو رفض….


ولكن..

(كلما دق الكوز بالجرة) في الخارج السوري، نسمع صدى في الداخل السوري بشكل عام، وفي الجزيرة بشكل خاص! وآخر هذا الصدى هو صدى هجرة الأخوة المسيحيين من مدينة الموصل، أو تهجيرهم! حيث لاقى هذا الحدث تنديداً رسمياً من قبل الحكومة السورية وأيضاً من الأحزاب المعارضة والأحزاب الكردية من خلال البيانات التي صدرت وقرأناها في الإعلام المرئي والمقروء.

إلا أن ذلك لم يمنع من حدوث نقاشات عامة تدفع نحو التوتر والتوتير، فكانت غالبية الأخوة المسيحيين والأكراد متفهمين بأن هناك قوى إسلامية متشددة وراء هذا التهجير….

وكان البعض الآخر يحمل الاحتلال الأمريكي مسؤولية ذلك، والقلة منهم حملت القوات الكردية (البيشمركة) مسؤولية التهجير… وهنا كانت النقاشات تحتدم وتتعالى الأصوات في بعض الأحيان، وكان أخرها حضوري مع بعض الأصدقاء لمجلس عزاء أحد الأخوة المسيحيين حيث أثير نقاش حول أن الكرد هم وراء تهجير المسيحيين، ورفض البعض ذلك قائلا: (أحكو بالمنطق: كيف يقوم البشمركة بتهجير المسيحيين بينما تستقبل حكومة إقليم كردستان أكثرية اللاجئين؟ وهي تعطي خمس كراسي في البرلمان الكردستاني في إقليم كردستان للكلدوأشوريين؟)…
إلا أن أحد الأخوة المسيحيين قفز من مكانه وقال هذه سياسة ليتم تهجير المسيحيين من الداخل العراقي إلى إقليم كردستان، ومن بعدها يطالبوا بتوسيع منطقة الفيدرالية في الشمال ليضموا المسيحيين إلى جانبهم..؟!
وأحسست بأن النقاش يسخن فحاولت أن أستأذن في الانصراف، إلا أن غالبيتهم رفضوا مغادرتنا إلا بعد تناول الغذاء…… فعدنا إلى نقاشنا السابق.

وحاولت أن أتخذ من مجلسنا نموذجاً للتعايش (السلمي الكردي المسيحي العربي)، فاتفقت مع الجميع بالقول أن الأمريكان هم المسوؤلين عن حماية أي أقلية في العراق سواء أكانت دينية أوقومية، مادامت هي المسيطرة أو تحتل العراق فعلياً، ومن ثم يجب رفض العنف بكل أشكاله لحل المشاكل بين القوميات والأديان.

وأعطيت أمثلة كثيرة أن المسيحيين لم يتعرضوا للتهجير من كردستان، وإنما تم تهجيرهم من بغداد وكربلاء والنجف وحتى البصرة، والاستيلاء على ممتلكاتهم وبيوتهم، وحتى إجبارهم على العيش كمسلمين سواء من حيث ارتدائهم اللباس أو أداء الشعائر الإسلامية كالصيام مثلا (مثلما حدثني أحد المهجرين من المسيحين)..

وهذه المناطق، ومن خلال متابعتي لنشرات الأخبار، يسيطر فيها المتشددين من المسلمين….

وليس للأكراد أي ذنب إن كانت مناطقهم آمنة ويلجأ إليها الأخوة المسيحيين! ومن المستحيل التفكير بفدرالية تضم المسيحيين على أساس الدين! كما أن المسلمين أنفسهم لم يسلموا من المتشددين، فالكثير من مسلمي العراق هاجروا أيضاً، بالإضافة إلى العمليات التفجيرية التي ارتكبت بحق الايزيديين! ويجب أن نعترف أن مصلحة البعض ضرب الكرد والقوميات الأخرى بعضها ضد بعض، ليتم التدخل على أساس الاصطدام.

فمثلاً تتخذ تركيا من وجود التركمان في كركوك، والبعض الأخر من وجود السنة والتحجج بوجود نفوذ إيراني في المنطقة حجة للتدخل، والإيرانيون يحاولون التدخل من خلال دعم بعض الأحزاب الشيعية..

وبالنتيجة برأيي أن العراق تحول إلى ساحة حرب بين جميع القوى التي لها مصالح متضاربة بعضها مع بضع وتريد تصفية ذلك في الساحة العراقية.


ولن ينتهي الموضوع عند حد تهجير المسيحيين، بل ربما يتجدد تهجير الكرد والسنة والتركمان… وآخرون.


ولن يصبح الوضع سليماً معافى إلا بعد أن يتفق العراقيون على وحدة مصيرهم ويتعلمون ثقافة جديدة هي قبول الأخر المختلف ديناً ولوناً وعرقاً..

ومن الصعب الانتقال (من تربية نشأت على اضطهاد الأخر وتشريده وحتى إبادته) إلى تربية مختلفة كلياً إلا بعد مرور زمن كاف ونشوء ثقافة جديدة ترفض تدخل الآخرين بالشأن الداخلي العراقي، وفهم أن القوة والعنف سيقضي على التنوع العراقي الزاهي سواء من حيث الديانات أو القوميات…..


إلآ أننا لم نختم حديثنا، حيث تكلم أحد رجال الدين تحت الخيمة، بعد أن استقبله أهل المتوفي (رحمه الله)، عن التسامح والمحبة والأخوة.

( كلنا شركاء ) 18/11/2008

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…