بين حانا… ومانا…!

دهام حسن

أزعم أني ذو رؤية وثقافة ماركسية، ولا أخفي ــ أيضا ــ أني أميل إلى الديمقراطية الليبرالية، الجانب السياسي منها، وأرى أنه يمكن المزاوجة بينهما، لأني أعلم أن الماركسية نشأت تاريخيا من رحم الليبرالية، ثم اعتبرت لاحقا الجناح الراديكالي في الليبرالية..

أتوخى في كل مقالاتي الموضوعية، قدر استطاعتي، ورؤيتي، وقناعاتي.

تناولت في كتاباتي مواضيع شتى، اصطبغت غالبيتها بالطابع الفكري، كانت المقالة الواحدة تأخذ مني وقتا طويلا، واقتضت مني صبرا، وجهدا مضنيا، جراء البحث عن مراجع والمثابرة في قراءتها، حيث كانت المراجع هي السبيل لتناول ومعالجة الموضوع الذي أنا بصدد الكتابة فيه.

وجل ما كنت أبغيه في البدء ومازلت، هو أن أفهم أنا أولا، وتتوضح الفكرة نسبيا لديّ، وبعد الفهم والإحاطة بمساحة جيدة من الموضوع، يأتي حينها دور الكتابة ثم النشر في الصحف والمواقع الألكترونية، ولا أخفيكم أن مقالاتي لقيت بعض الاستحسان في الداخل والخارج، وهذا كان بالنسبة لي هو المنّ والسلوى…!
كان لا بد لي من هذه التوطئة، لأصل إلى بيت القصيد، إلى الموضوع الذي أبغي إثارته… فقد عاتبني بعض المحبين المخلصين من الكرد، لعدم تناولي القضايا القومية للكرد في كتاباتي… كان العتاب رقيقا، هو أقرب منه إلى الحث والتشجيع، من أي شيء آخر..

في حين كنت منهمكا في القراءة والكتابة بمسائل فكرية كثيرة، ــ العولمة، الليبرالية، العلمانية، المجتمع المدني، الدين، الاشتراكية…إلخ ــ
لكن ـ قلت في نفسي ـ وسط هذا التشتت الحزبي، كيف تكتب، وتنجو بجلدك، عندما تكتب كأنك تمشي في حقل من الألغام، فإرضاء بضعة عشر حزبا ــ وهو الواقع ــ غاية لا تدرك، لكن قلت أيضا، عليّ أن أبحر في هذا الحقل، دون الخشية من البلل…!
كتبت مقالتين أو ثلاثا، تناولت فيها الواقع، وأشدت بتاريخ الحركة السياسية الكردية، ثم أيضا عطفت على بعض السلبيات، فأثرتها..

ماذا كانت النتيجة، أحد القادة الحزبيين، قال لي، (يا دهام، أقرأ ماتكتب، يعطيك العافية) فشكرته بدوري، ولا أخفيكم سررت بذلك، قائد حزبي آخر، استحسن ما أكتب، لكنه أضاف، عليك أن توضح أكثر، أي أن أضع النقاط على الحروف، بمعنى آخر، هو أن أتهجم على فريق ما بالاسم، فاستهجنت منه هذه النصيحة، قائد ثالث أجلّه، حاول أن يتهكم ثم تراجع، بعد أن قرأ الإغاظة في قسمات وجهي، مجهول آخر تهجم علي وهو لم يقرأ لي حرفا، ولا يعرفني مطلقا، ولم يلتق بي ألبتة، وعندي الدليل، قلت في نفسي هذا دس من فريق ما، وكتب آخر باسم مستعار، وتهجم علي دون لباقة، أو التقيد بأصول المخاطبة، وقد تجاوزت كل ذلك، لكن ما آلمني وأثارني هو المشهد التالي ..

قبل يومين كنت في عزاء، نتندر أنا وأحد زملاء الدراسة البعيدة وهو من عامودا، ولما استفسر عما أكتب، قلت له مقالتي الأخيرة منشورة في موقع (ولاتي مه) وحدها، وهي عن مزايا القائد الحزبي الناجح، النموذج الكردي..

فما كان من أحد القياديين، المجاور لزميل الدراسة هذا، أن يقحم نفسه، وأفاجأ بقوله: مالك حق أن تكتب في المسائل الكردية.!؟ أدركت في الحال ماذا يبغي هذا الصقر أن يقول، أني محسوب على الشيوعية، والشيوعيون لا يحق لهم أن يكتبوا في المسائل القومية لشعبنا الكردي، فأعاد إلى ذهني نبرة الخمسينيات، أي الشيوعية هي الكوسموبوليتية، والشيوعي دون هويّة قومية، وعندما قلت له: لماذا.؟ وكانت الـ ” لماذا ” عندي من باب الإنكار والرفض المزعج، فتنبه لذلك وحاول ان يرمم قوله، لكنه ظلّ كلامه في المطبّ ذاته، قائلا: أنت تقرأ الماركسية، وعليك الكتابة في هذا الجانب، أما القضايا القومية فاتركها للقوميين.! ثم انتقل إلى كاتب آخر، وهو كاتب قومي، لا شأن له بالثقافة الماركسية، راح يذمّه، فقلت له لماذا لا تردّون.؟ طبعا لا جواب…!

قلت لصديق لي، موقف هذا الإنسان ذكرني بمسألة إحصاء حكومة الإنفصال، أولئك جردوا عديدا من أبناء شعبنا الكردي من هويتهم الوطينة، أما هؤلاء القمعيون دون سلطة، ترى ماذا يكون موقفهم، لو استلموا سلطة ما في مكان ما.؟ كيف سيسمحون باختلاف الرأي وتعدده، رغم الشعار الديمقراطي الذي ترفعه صحيفتهم المركزية، فقال مازحا، جادا، والله لن يكون لنا إلا القتل والمعتقلات، كاتب صديق آخر، اشتكى إلي همومه قائلا: ماهذه الوصائية.؟ يفولون لي لماذا تمشي مع فلان.؟ ولماذا حضرت تلك الندوة.؟

في الختام أقول: أني كأي إنسان، له رؤيته النقدية، أكتب ما أراه صحيحا، وأني منفتح لكل الآراء، وأشيد، وأنتقد، وأتقبل النقد أيضا من غيري…  نعم قلت،  إن القائد الأول ينبغي أن يكون على قدر من الثقافة، متواضعا، نظيف اليد، غير ناقم على رفاقه، يعتمد على الكوادر الجيدة، ألا يكون أبديا في منصبه…إلخ  أما أن يأتي متسلل إلى القيادة، لا بمت إلي بأية صلة، ثم يحاول أن يصادر كلامي، ويجردني من الهوية القومية، فأقول له لا، وألف لا ، فلك تاريخك، والغالبية تعرفه، ولي تاريخي وأيضا تعرفه الغالبية..

ولي أيضا كتاباتي، تنبئ عن مساري الفكري، فليفرد كلانا ماعنده إن أحببت.! وحيرتي أخوتي الكتاب وأيضا السياسيون، أننا صرنا بين حانا ومانا، فهذا يثني على موقفك، وذاك يصادر حريتك في الكلام، ويغرّبك عن الواقع الكردي…فما العمل.؟ لكن عندما تفكر، سوف تدرك السبيل الذي ينبغي أن تسلكه، وهو ان تمتطي مركبك، وتبحر به بأشرعة قناعاتك..

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في شتاء عام ١٩٦٨ وبعد حضوري مؤتمر جمعية الطلبة الاكراد في أوروبا المنعقد في العاصمة اليوغسلافية ( سابقا ) بلغراد ممثلا ( للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري – سابقا ) ، وعودتي عن طريق البر ( كمرحلة أولى ) بصحبة السكرتير الأسبق للحزب الديموقراطي الكردستاني الأستاذ – حبيب محمد كريم – الذي مثل حزبه بالمؤتمر والصديق الأستاذ – دارا…

كفاح محمود في منطقتنا مفارقة تُشبه الكوميديا السوداء: أنظمةٌ تُظهر براعةً مذهلة في فتح القنوات مع خصومها الخارجيين، وتُتقن لغة الصفقات حين يتعلق الأمر بالخارج… لكنها تتلعثم وتتصلّب وتُفرط في التعقيد عندما يصل الحديث إلى شعوبها ومكوّناتها، كأن المصالحة مع الآخر البعيد أسهل من التفاهم مع الشريك القريب، وكأن الدولة لا تُدار كمظلّة مواطنة، بل كحلبة لإدارة التناقضات وتأجيل الحلول….

شادي حاجي يُفترض أن يقوم النظام الدولي المعاصر على أسس قانونية وأخلاقية واضحة، أبرزها احترام سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، كما نصّت عليه مواثيق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان. غير أن الواقع العملي للعلاقات الدولية يكشف عن تناقض بنيوي بين هذه المبادئ المعلنة وبين آليات التطبيق الفعلي، حيث تتحكم اعتبارات القوة والمصلحة الجيوسياسية في صياغة المواقف الدولية. وتُعد القضية…

انا المواطن محمد امين شيخ عبدي المعروف بـ(( شيخ امين ))، والمقيم في دمشق، خريج سجون حافظ الاسد (( 100 شهر عرفي آب 1973 – تشرين الثاني 1981 ))، عضو المكتب السياسي للبارتي حتى آب 2011، وعضو هيئة رئاسة اعلان دمشق منذ عام 2007. اتقدم بطلبي ودعوتي هذه الى سيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع: اولا:اطالب باقالة كل من السادة: اللواء…