منطق الكراهية والحقد والموازين الحقيقية منطقا وفكرا ؟!

عبد الرحمن آلوجي

في الوقت الذي تتقارب فيه المفاهيم والأفكار وتتواصل اللقاءات والحوارات, وفي الوقت الذي تستهجن النزعات والنزغات والرؤى المغشاة بأوهام العصبية المنتنة والعنصريات البائدة التي أصلت المجتمع الإنساني كل أشكال العنت والقهر والبغي والفتن العمياء؛ وأذاقت البشرية ألوان الرعب والفتك وبشاعة القتل والتدمير في حروب مدمرة أفنت الملايين وشردت ونهبت ودمرت؛ كانت من أكبرها وأوسعها فتكا الحربان العالميتان, وما تركتهما الفاشية والنازية من مفاهيم وآثار مدمرة, وأحقاد عارمة وتمييز مشين
في وقت بدأت المجتمعات الإنسانية تستفيق من هول الصدمة وعرامة الكارثة, وراحت تضمد جراحها وتتهيأ لبناء مجتمعاتها على أسس جديدة ورؤى نابضة بالحياة, ساعية إلى التواصل والتكامل والبناء والتحاور ونبذ العنف, والدعوة إلى رفع قواعد ومناهج جديدة ,وبناء حضاري أكثر عمقا وتألقا وارتقاء ,بما يعزز كرامة الشعوب ويؤسس لعلاقة مجتمعية جديدة تترقى وتعظم وتسودها أنماط متقدمة في السلوك والتوجه وخوض الحياة الإنسانية بمنطق بعيد عن كل ألوان الكراهية والعصبية والحقد ومدارسها ورؤاها وتوجساتها السقيمة ومفاهيمها الضالة والمريضة والبائسة ’في هذا الوقت بالذات نجد الأصوات المنكرة والأبواق الناعقة تتردد صداها هنا وهناك, لتروج لمفاهيم ومثل متآكلة وعصبيات بائسة, تتطوع لها وتنفخ في رمادها وسائل إعلام عربية, وفضائيات تنفق عليها أموال طائلة وجهود مضنية كالمستقلة و فضائية الرأي و بعض القنوات الأخرى التي تستضيف مثل هذه الشخصيات و الكوادر, لتتفرغ لها هذه الكوادر التي تستدر عطف الجماهير الغفل, وتلهب حماسها وتقودها إلى متاهات مجهولة, تثير النخوة وتقرع طبولا مخروقة, بدعوى استنهاض الحس القومي المزعوم, والتنبيه إلى مخاطر واهمة, ومزالق خطيرة تهدد مصالح الأمة, وتقودها إلى ما لا يحمد عقباه, واضعة أسسا وقواعد رؤية تعتمد منطق الكراهية والحقد, زارعة وبرعاية متواصلة أضاليل لا تكاد تخدم مصالح الأمة العربية و قضاياها العادلة ، كما لا تخدم المسيرة الديمقراطية القائمة على العدل و المساواة بين الشعوب و حكامها من جهة و ما تحققه من مكاسب في مجالات التواصل و التحاور و الالتقاء على الأهداف و القيم و المعايير الهادفة إلى بناء أوثق العلاقات و أكثرها رسوخا بين الشعوب أنفسها, و بخاصة بين الشعوب المتجاورة في الشرق الأوسط التي تجمعها أواصر تاريخية و تراث روحي و كفاحي وأخلاقي مشترك كالعرب والكرد والأمازيغ والفرس و الترك , مما ينبغي التركيز فيه على تمتين العرى المشتركة و القواعد الجامعة, والمفاهيم المؤسسة لعلاقات متوازنة و متكافئة , بعيدة عن منطق الإحن , و تأريث الثارات و بعث التناقضات و النفخ في أبواق لم تعد تحرك إلا الهامد و المنتن و البائس من المفاهيم التي طواها الزمن و حشرها في زوايا منسية.
إن البؤس الفكري , و الرؤية الهابطة و المفاهيم القائمة على التشنج و إثارة النعرات , و نسيان حقوق الآخرين, و إدارة الظهور للمحن و الكوارث المدمرة , و الآفاق المكفهرة التي تنتظر الإعداد و التهيؤ لإثارة القلاقل و بعث الفتن الراكدة, إن كل ذلك مما يوصم هذا البؤس الفكري بكل ألوان التحريض و المغالاة و التطرف, مما كان له أثر كبير في المنطقة عامة و العراق خاصة, في وقت ينهض فيه العراق من هول أكبر مجزرة في التاريخ دفع إلى أتونها خيرة أبنائه من مختلف المكونات الأثنية و المذهبية , و الاتجاهات و الأفكار و العقائد و المفاهيم , في حصاد بشري مروع قل نظيره و على يد أعتى الدكتاتوريات و أكثرها بؤسا و شناعة و إثما.
إن أمثال : (هارون محمد , و الشيخ الخزاعي , و ماجد سعيد , و القلمجي , و سوى هؤلاء و أولك …) لا يكدون يخدمون العرب و قضاياهم , بقدر ما يشوهون و يزرعون بذور فتنة عمياء في أرض تحمل بوارا و تبارا و شرا مستطيرا , حيث لا يكاد ينفع هذا النفخ المتعمد في رماد الفتنة المقبورة التي تكاد تخفي تحتها وميض جمر , حيث نجد عقلاء العراق و كبار ساستهم و مفكريهم أكبر بكثير من الانجرار إلى ما يدعون إليه.
إن قادة الكرد برهنوا على الدوام و عبر تاريخ طويل على مصداقيتهم و احترامهم الكامل للعهود و المواثيق المبرمة و على تعاقب الأنظمة و الحكومات , ولم يحدث في أوج صراعهم معها و دفاعهم عن حقوقهم المشروعة أن هدموا بيتا أو روعوا قرية أو قتلوا أسيرا أو آذوا مدنيا غير محارب , في الوقت الذي دمر النظام البائد أربعة آلاف و خمس مئة قرية كردية , و أبادوا تحت عنوان مقدس عريض (الأنفال) مئة و ثمانين ألف مدني في تطهير عرقي لا تكاد تجد له نظيرا , لتجد واحدا من هؤلاء الناعقين يقول:( لقد ردت الحكومة على الكرد بالمثل لأن البيشمركة لم يكونوا يحملون غصن زيتون ..) ولكن البيشمركة كانوا يتوجهون إلى المقاتلين دفاعا مشروعا عن حقهم في الوقت الذي كانت الدكتاتورية تزرع الرعب فوق رؤوس الآمنين الكرد تحت قاعدة 🙁 كل شيء يتحرك في أرضهم معرض للقصف) لتكون أرض كوردستان مسرحا فظيعا لأكبر حملة إبادة جماعية, و قد وضح موقف الكرد بجلاء كامل ووضوح لا لبس فيه الرئيس المناضل مسعود البارزاني في مقابلته الأخيرة مع قناة الجزيرة, حيث بيّن الدور الوطني المتألّق و البارز للكرد في العراق الجديد و مخاطر تهميش الكرد, و الالتفاف على مواد الدستور, و الأفكار و الأحقاد التي يمكن أن تضر العراق جراء النزعة العنصرية و التي يمكن أن تمزق الصف العراقي و تهدد وحدة العراق, و قيمه الوطنية العليا, و ما راهن عليه الأعداء طويلا , مؤكدا أن البرلمان و التشاور و تبادل الرأي و توجيه الجيش العراقي إلى الدفاع عن الوطن و مقدراته وابتعاده عن السياسة و خدمة مصالح فئة دون أخرى ضمانة أكيدة بصيانة وحدة العراقي و تطوره وازدهاره.


فهل يمكن لهؤلاء أن يعيدوا عجلة التاريخ إلى الوراء ؟! و هل يمكن للتارخ أن يدور دورته إلا وفق معايير و قيم العدل وحقوق الإنسان ومفاهيم التطور الإنساني الجديد ؟! و هل يمكن لمنطق الكراهية و الحقد أن يجد صداه في نفوس أحرار العرب و الكرد بعد أن أبصروا النور إثر ليل دامس طويل من القهر والإذلال والعبودية ؟!.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

ولاتي مه – خاص: أعلن خمسة من أصل سبعة أعضاء في قيادة منظمة أوروبا التابعة لحزب الوحدة الديمقراطي الكُردي في سوريا انسحابهم من صفوف الحزب، وذلك عبر بيان سياسي صدر اليوم، أشاروا فيه إلى جملة من الأسباب التنظيمية والسياسية التي دفعتهم لاتخاذ هذا القرار، بعد ما وصفوه باستنفاد جميع محاولات الإصلاح الداخلي. ويأتي هذا التطور بعد أيام قليلة من إعلان…

د. حمدي سنجاري بعض الزيارات لا تُنسى. لا لأنها تُعرّفك على مكان، بل لأنها تضعك وجهاً لوجه مع معاناة بشر حقيقيين، وآمالهم التي لم تنطفئ بعد. وحين دعاني عدد كبير من أبناء سنجار، النازحين قبل أيام في دهوك وأربيل، وجدت نفسي أمام زيارة طالما أجّلتها أكثر مما ينبغي. هناك التقيت بسنجار الحقيقية. مسلمون، إيزيديون، مسيحيون. عرب وكورد وتركمان….

تلقى النائب كبرئيل موشي سلسلة من الاتصالات والرسائل من عدد من أحزاب الحركة الوطنية الكردية في سوريا، هنأته خلالها بمناسبة نيله عضوية مجلس الشعب السوري، متمنين له التوفيق والنجاح في أداء مهامه الوطنية وخدمة أبناء الوطن. وقد وردت هذه الاتصالات والرسائل من كل من: * الدكتور صلاح درويش سكرتير الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا * السيد شلال كدو رئيس…

خوشناف سليمان ما تشهده مناطق شمال وشرق سوريا اليوم هي حالة استنزاف شاملة تضرب حياة الناس في الصميم. وتستهدف القدرة على البقاء والصمود لدى جميع مكونات المنطقة و خاصة الكرد الحرائق التي التهمت آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية خلال المواسم الأخيرة لم تكن مجرد حوادث عابرة. بل جاءت متزامنة مع سياسات اقتصادية أثقلت كاهل المزارعين. فأسعار شراء المحاصيل لم تعد…