وكالة من غير بواب

عمر كوجري

لا أتصور أن ثمة دولة متحضرة في هذا العالم المترامي الأطراف لا تملك وكالة وطنية خاصة بالأنباء..

وعادة ما تكون هذه الوكالات – خاصة في عالمنا الثالث أو العاشر- ملحقة بالدولة التي هي أم الشعب الحنون تغطي أنشطة الحكومة واستقبالات وتوديعات الوزراء وغيرهم من المسائيل الوديعين اللطيفين بالتأكيد، وكذلك تغطي هذه الوكالات الإخبارية أخبار الأمم التي تقدمت علينا سنين ضوئية، نحن الذين «عفنا التنكة» وباقي الخردة، ولا تنسى بالطبع أن تنقل أخبار الأمم الغابرة والتي أصابتها حالة الفوات التاريخي والنوم الهنيء في ظلمات العصور.
تلك الأمم ليست بأحسن حالاً منا، ومن حقنا أن نتفاخر أننا نملك وكالة وطنية للأنباء اسمها «الوكالة السورية للأنباء» وتختصر بـ سانا.

هذه الوكالة تستقر بناءً شاهقاً في مركز العاصمة في منطقة اسمها «البرامكة»ِِ لنتذكر نحن الأجيال اللاحقة الأخوة الأجلاء من عائلة برمك، من الأخ جعفر وباقي إخوته الذين نكَّلَ بهم الخليفة الرشيد حين شعر بحسِّه الأمني وحدسه أن الجماعة تمادوا في غيِّهم، وتجاوزوا الخطوط الحمر، فأبيدوا على يديه الكريمتين شرَّ إبادة.
وكالتنا الميمونة «سانا» تتحفنا دائماً، وكما عهدناها بالأخبار التي تشبع جوعنا لمعرفة كلِّ ما هو جديد في ساحتنا الوطنية السورية، وكذلك نتلمس منها جديداً كل يوم من أخبار العالم، لكن يبدو أن الترهُّل قد غزا مفاصل وكالتنا الوطنية، ويبدو أن جيش الموظفين والكادر الإعلامي الضخم قد كَلَّت همتُه، فصرنا نطالع أخباراً غير مدروسة، وغير مستساغة ولا محررة.
قبل أيام قادني الشغب الصحفي إلى فتح موقع سانا على الأنترنيت، لأرى الجديد الأجد على موقعها، فراعَني حقاً ما قرأت، وقد اخترت باقة من الأمثلة الدامغة على العي والإرهاق اللذين فتكَا بمفاصل وكالتنا الوطنية «سانا»
بودِّي أن أنقلَ بعضَها، حتى لا أُتَّهَم أنني أتجدنى على الجماعة، مثلاً هناك خبر صحي مثير للضحك عن الأثر السيء للسكاكر على أسنان الأطفال حرَّرتْه صحفية من اللاذقية، تسهب المُحرِّرة في مقال طويل وبالطبع عريض عن نخر الأسنان باعتباره من «أهم القضايا المطروحة في علم طب الأسنان» وكأن المواطن السوري لم يسمع إلى هذه اللحظة عن التسوس والأثر المرضي للحلويات على أسنان السوريين.
وعنوان يتحدث عن إعداد «أكبر مؤتمر شراكة بين سورية والصين» هذا المؤتمر سيُعقد أوائل آذار القادم نقلته وكالة سانا – ودون أي تحرير – عن صحيفة الثورة على طريقة «الكوبي..

باست» كما يقول صديقي الصحفي أيهم، وحسب معلوماتي المتواضعة أنه عادة ما تموِّل وكالات الأنباء الصحافة بالأخبار، ولا تنقل الأخبار عن الصحافة المحلية.
وثمة عنوان رياضي مثير «منتخبنا الوطني يعود من فنزويلا» هكذا حاف..

وعندما نقرؤه، لا نصعق أبداً، فمنتخبنا الوطني عوَّدنا بهزائمه الماحقة والساحقة حتى مع دول كجزر القمر أو الواق واق، وهو لم يعد من فنزويلا مكللاً بأكاليل الغار والنصر، نعم خسرنا مع الجماعة أربعة أهداف نظيفة لهدف يتيم.


 وسأكتفي بخبر أخير يقول:  «الشباب السوري يرغب بالعمل المكتبي في القطاع العام»، وكأن القطاع العام يعلن يومياً عن فرص العمل للجيش العرمرم من العاطلين من الشباب السوري- بالإذن من شاعرنا الرائع معروف الرصافي- الذي يقول: فجيِّشوا جيشَ علمٍ  من شبيبتنا/ عرمرماً تضربُ الدنيا به المثلا
  عندما قصصت هذه الأخبار الطازجة على زميل مشاغب صرخ بأعلى صوته «وكالة من غير بوَّاب» وغاصَ في بحر حزنه اللذيذ.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…