مؤتمر بروكسل لكورد سوريا بين الإلحاح المرحلي وكلبجات الداخل

الدكتور صلاح الدين حدو
انتهاء أعمال مؤتمر بروكسل لكورد سوريا وما تمخض عنه ذكرني بحادثة طريفة جرت في إحدى قرى عفرين التي يتندر أهل المنطقة ببساطتها ، فكعادتهم اجتمع أهل القرية لتناول طعامهم تحت السنديانة الكبيرة حول البئر ، وصادف يومها مرور مدير الناحية الذي لفت نظره جلوس الجميع مع بعضهم بانتظام دائري متقن في المسافات بشكل لا تصل يد كل منهم إلاّ إلى صرة طعامه الخاصة و بالتالي عدم مشاركتهم الطعام لبعضهم البعض ، وعند سؤاله عن سبب عدم تشاركهم للطعام بالرغم من جلوسهم سوية ردوا بأنهم اعتادوا ذلك ، فأخرج الضابط كرباجه وبدأيضرب الجمع طالبا منهم جمع الأطعمة في الوسط وبلا ترتيب ، لبّى أهل القرية طلبه على مضض و كل منهم تبحث عيناه عن محتويات صرته الخاصة أين أصبحت ، وبعد الإنتهاء من كلمته عن مزايا التشارك ، طالبهم بمتابعة أكلهم بشكل جماعي ، فهمس كبير القرية لمن حوله : يا إخوتي هذا الظالم ارتكب ظلما وإثما لنفسه بخلطه لطعامنا وطلبه أن نتشارك فيه فليحرص كل منكم على تناول طعامه الخاص الذي أحضره معه من البيت .
كذلك كان حال النخب الكوردية في نظرتها لمؤتمر بروكسل ، الكل يتحدث عن توحيد الخطاب السياسي لكورد سوريا ، والكل يتحدث عن ضرورة التخلص من حالة الشرذمة و التفكك والإنشقاق التي تعانيها الحركة الكوردية في سوريا ، والكل واثق في قرارة نفسه أن الأحزاب الكوردية تتموضع خلف الجماهير الكوردية وطموحاتها وبعيدون كل البعد عن آمالهم حسب برنامج عملهم اليومي ، والكل يتحدث عن ضرورة………………………….الخ
ولكن عند أي محاولة حوارية تتطلب التشارك يصر كل منهم على تناول محتويات صرته الخاصة كحال أهل القرية العفرينية البسيطة .ويلاحظ غياب الإنسجام وتقسيم الأدوار بين الكورد كل حسب استطاعته واختصاصه .فكورد الخارج الذين على احتكاك يومي بالحضارات العريقة في دول سيادة القانون والحرية الفردية و الإعلامية يتناولون مواضيع الداخل من منظار واقعهم المعاش مستندين على الآمال الجميلة في أن يصلوا بالأمة الكوردية إلى مستوى هذه الأمم لابل يطمحون بتجاوزها نظرا لما يملكه الشعب الكوردي من ذخيرة حضارية وإرث جبار استطاع الصمود أمام كل أساليب التذويب والصهر والقهر والإبادة ، ولكنها تظل آمالاً ورديةً بحاجة إلى الكثير من الواقعية والعمل الجاد وعدم القفز فوق العقبات والعراقيل الموضوعة والموجودة بحكم الزمان والمكان والميراث التاريخي الذي حاكته القوى المسيطرة على العالم عبر العصور .
فمؤتمر بروكسل الذي كان الشعب الكوردي يود أن يُعلّق عليه الكثير من الأمال من جهة توحيد الخطاب السياسي وتشكيل مرجعية لكورد سوريا أُضعف في المهد لتبني القائمين على التحضير له لطرح يعجز الشعب الكوردي في سوريا على تحمل تبعاته ألا وهو إسقاط النظام السوري الذي كان عقبة كبيرة أمام أحزاب الداخل للتفكير بمجرد تبني فكرة المؤتمر ناهيك عن المشاركة فيه ولعدة أسباب :
1-ليس في برنامج أي حزب كوردي في الداخل السوري أي طموحات في السلطة
2-لأن كل الأحزاب الكوردية في الداخل السوري تناضل على أرض مكشوفة رغم عدم الإعتراف الرسمي بها
3- لن يستطيع الشعب الكوردي في سوريا تحمل نتائج طروحات يعجز عنها الشارع العربي السوري ناهيك أن الكورد لا يجب أن يتحملوا أكثر من نسبتهم التي هي بحوالي 15% من العبء السوري العام .
وعلى الكورد الإستفادة من عِبَر التاريخ ، ففي تركيا الكمالية كان أتاتورك يتغنى بأمجاد الكورد وشجاعتهم لحثهم على الدفاع عن الجمهورية التركية في حربها مع اليونانيين وما أسماء غازي عينتاب وقهرمان مرعش وأغنية اضرب أيها الكوردي فقد ذهب الشرف …..إلا دليلا ساطعا على ذلك ولكن هل كوفئ الكورد اثر انتصارات الأتاتوركية إلا بمزيد من المجازر والقتل والتهجير .
وكذلك الحال في سوريا فقد ضحى يوسف العظمة الكوردي بنفسه في معركة ميسلون ليدخل غورو ويركل قبر صلاح الدين الأيوبي قائلا ها قد عدنا يا صلاح ، إلى محو إيبو شاشو الذي أطلق أول طلقة في وجه المحتل الفرنسي من عفرين إلى قائد ثورة الشمال الزعيم ابراهيم هنانو إلى ابراهيم باشا المللي في الجزيرة ، فكانت المكافأة من حكومة الإنفصال فضيحة الإحصاء وتجريد مائة وعشرين ألفا من الكورد من الجنسية السورية تبعها مشروع الحزام العربي بتوزيع أرض الكورد على عرب الغمر و………………
كذلك كان واقع الحال لمملكة محمود الحفيد ضد الإنكليز في العراق وكورد ايران في اسقاط الشاه عند مساعدتهم لنظام الملالي الذي انقلب عليهم وبالا وإلى الآن كما في مجزرة ماكو قبل أشهر.

وليست المعارضة العربية السورية بأفضل حالا في نكرانها لحقوق الكورد عند أول منعطف رغم ضعفها وتشرذمها فمثلا قدم الإخوان المسلمون للكورد إثر استشهاد الشيخ الخزنوي ميثاقهم الذي فاق في بعض النقاط الطموح المرحلي للكورد معترفين بحقوق الشعب الكوردي في سوريا الذي إختزل في اعلان دمشق إلى حقوق المواطنة والذي اختزلوه بدورهم لاحقاً في ماسمي بجبهة الخلاص إلى مسألة أقليات ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
لذلك على الساسة الكورد العمل على نسف دور كلب الصيد الذي تحاول كل القوى الخارجية والداخلية اقحام الشارع الكوردي في متاهاته ، وذلك عبر آلية حوارية شفافة لكورد الداخل والخارج والجلوس لطاولة الحوار من منطلق التشرف بالعمل المرحلي بما يتلائم وعظمة قضية الشعب الكوردي وفداحة آلامه والأخطار المحدقة به وبالمنطقة لإيجاد أفضل السبل والأليات لتحقيق مطاليب الشعب الكوردي العادلة في سوريا عبر نضال سلمي مؤسساتي متناغم بين كورد الداخل والخارج كل حسب طاقته وامكاناته وظروفه ، مترفعين عن الأنا الحزبية الضيقة ومسلسل البيانات التأسيسية
لأحزاب جديدةالتي يطالعنا بها البعض في الخارج مع كل انبثاق لفجر يوم جديد حتى بتنا نخشى النوم خوفا من بيان حزب جديد عند الإستيقاظ .
وإننا إذنشكر الدكتور شيركو عباس والطاقم الذي واكبه في التحضير لمؤتمرات الكورد في الخارج ونكبر فيهم الجهود التي بذلوها لطرح فكرة مشروعهم الذي عجزت أو تقاعست عن مثله كل القوى السياسية الكوردستانية و نتمنى عليهم أخذ ماسبق بعين الإعتبار وبذل مزيد من الجهد لإكمال المشوار في التحضير لمؤتمر قريب يكون هدفه خلق مرجعية كوردية لكورد سوريا مع تحليهم بالكثير من صبر الطبيب والإبتعاد عن ردات الفعل واستيعاب الكثير من أمراض أحزاب الداخل وإيعازاتها والإنطلاق من حاجات الشعب الكوردي وقدرات تحمله بمنظار واقعي وكورداياتي .

كي يغني أطفال الشعب الكوردي في سوريا أغنيات الأباء والأجداد ببراءة الطفولة في نوروز دون تلفت أو خوف من زي عسكري بوجه متجهم .

عفرين 2006

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان ليست المأساة السورية في أنها خرجت من حربٍ طويلة، بل في أنها تقف اليوم على أعتاب حربٍ جديدة، لا تخاض هذه المرة بالدبابات وحدها، وإنما بالأفكار التي تزرع في العقول قبل أن تتحول إلى بنادق في الأيدي. فكل حرب تبدأ بخطاب، وكل مجزرة تبدأ بفكرة، وكل مشروع استبداد يبدأ بإقناع الناس بأن الوطن لا يتسع إلا…

إلى أبناء شعبنا الكردي، إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية، إن هذا البيان لا يهدف إلى تبرير قرار انسحابنا، فالأسباب التي أوصلت حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا إلى أزمته الراهنة أصبحت معروفة لدى غالبية الرفاق وجماهير الحزب، وإنما يأتي انطلاقاً من شعور عميق بالمسؤولية تجاه تاريخ الحزب وإرثه النضالي، وتجاه تضحيات الرفيقات والرفاق الذين أسهموا في بنائه على…

علي شمدين الحقيقة أن سير العملية السياسية في البلاد، وكما هو متوقع، سيقود البلاد نحو طريق مسدود، بسبب تراكم الاحتقان الذي قد يخرج عن السيطرة وينفجر، عاجلاً أم آجلاً. وإن ما يجري ميدانياً اليوم على أرض الواقع، من تحشيد للاتجاهات الشوفينية، وتحريض للجماعات العشائرية والغوغائية، التي اجتمع شملها تحت خيم نُصبت هنا وهناك على تخوم المناطق الكردية باسم (خيم الحرب)،…

شادي حاجي قبل أكثر من قرن، لم تكن معاهدة لوزان، الموقعة في 24 يوليو/تموز 1923، مجرد اتفاق أنهى الحرب بين القوى المنتصرة والجمهورية التركية الناشئة، بل أصبحت الوثيقة التي كرست النظام الجيوسياسي للشرق الأوسط طوال القرن العشرين. وقد جاءت لوزان لتحل محل معاهدة سيفر، الموقعة في 10 أغسطس/آب 1920، التي كانت قد نصت على إمكانية منح الأكراد حكماً ذاتياً، وفتحت…