هل خلق الكردي لأن يكون الضحية ..؟.

روني علي

   قد لا نكون منسجمين مع المنطق، حين نقول أن الكردي خلق لأن يكون الضحية، كون ذلك لا يتوافق لا مع مفاهيم التطور، ولا مع الشرائع، السماوية منها والوضعية، إلى جانب أنه لا ينسجم مع المفردات التي تتم تداولها بين المتعاملين الكبار في حقل السياسة، وخاصةً الدول، وتحديداً تلك التي تتباهى بأنها تملك مشاريع تهدف بالدرجة الأولى، إلى بسط سيادة الإنسان ومفاهيم الحرية والتحرر، وتدعي بوقفها إلى جانب قضايا الحق والعدل، ونصرتها للمظلوم، وحمايتها لحقوق الإنسان ..

إلخ
ولكن وبما أن القضايا ضمن لعبة السياسة، تكون خاضعة لمنطق معادلة التوازنات، حتى وإن تعلقت بمسائل الحريات وحقوق الإنسان، وأن السياسة نفسها تنطلق من ركنها الأساس – المصلحة – وتعود إليها، فإن المنطق ذاته يكون مهزوزاً، ودرجه الانسجام بينه وبين ما نبتغيه يبقى رهن القوة ومشيئتها، وإن كنا نعول على المستقبل، وننشد ذاك اليوم الذي نخرج فيه برؤوسنا من أتون ثقافة الدم، بحيث يكون المنطق فيه هو سيد الموقف وسيد نفسه، والأمور تخرج من براثن لغة الرصاصة ولعبة القتل وحبل المشنقة، وأن تكون النظرة إلى القضايا مبنية على قواعد الحق، بعيداً عن المصالح ومعادلة توازنات القوى في الدخول إليها، عبر مقاسات الربح والخسارة، والتي شكلت الأساس في جعل الكردي يدفع فاتورة الغبن والاضطهاد، منذ أن وعت المنطقة على مفاهيم القومية، وقامت الإيديولوجيات على مبادئ، تشرعن في الكثير من جوانبها حكم القوي على الضعيف ..


   لقد دفع الكردي بكل ما لديه من أجل أن يمتلك عنصر البقاء، وواجه بكل ما فيه من عزم وإرادة، في سبيل أن يكون ملتصقاً بكرامته، لا بل ضحى على مقصلة الحرية، حتى يبقي على بعض الشموع وضاءة كي تنير الأنفاق أمام التواصل، وتزرع البسمة على شفاه المحرومين منها بالتوارث، وها هو الآن، وفي ظل ما يحدث على المعمورة من إرهاصات، وما تشهدها المنطقة من تغييرات، يبقى وحيداً في معركته مع الوجود، وأعزلاً من كل ما شيء سوى الإرادة، كونه لم ولن يكون من نسغ تلك الثقافة التي تستبيح الدم وتشرعن الإبادة، وهذا ما تؤكده لنا الحقائق والوقائع، بأن الكردي لم يكن مع القوة، إلا حين كان في موقع الدفاع عن وجوده وكرامته، ولم يكن يوماً من حملة الفكر الاستئصالي بحق غيره، سواء في مراحل القوة أو الضعف، وإن كان يختار ذاك المنحى في تدبير شؤون بيته الداخلي، وقد يكون ذلك من الأسباب التي جعلته يدفع الضريبة ويرزح تحت رحمة المشاريع التي تستهدفه هوية وتاريخاً ووجوداً ..


   إن ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات، هو امتلاكه أكثر قدرة للتعبير عن المشاعر وتهذيبه للغرائز، ولكن يبدو أن هذا التمييز والخط الفاصل، له علاقة أكيدة وصلة وطيدة بالثقافة المجتمعية، وعليه نرى ذاك البون الشاسع بين مجتمعاتنا والمجتمعات المتقدمة، وإن كنا لا نكف عن ترديد أسطوانات توحي  بأن منطقتنا هي رحم التسامح وحاضنة التعايش، ولا نمتلك القدرة، أو لا نحبذ امتلاكها، في الدخول إلى عمق الفوارق التي تفصل بيننا وتلك المجتمعات، التي تنبذ العنف وتحرم الدم البشري، وثقافتنا التي تحتضن التكفير وتحض على قتل المختلف وتبيح المحظورات وتغذي منابع الإرهاب والقتل على الهوية، حتى بات إنساننا وهو يعيش مشاهد القتل وإراقة الدماء، وكأنه تآلف مع الواقع، وأصبح جزأً من ثقافة الغريزة والنزعة السادية، بل إنساناً يحركه الأهواء والنزوات والرغبات، دون أن يكون للأحاسيس والمشاعر دور في كبح جماح الغرائز، بمعنى آخر، بات هذا الإنسان بحكم سطوة ثقافة المجتمع في الفتك بالآخر، يتآلف مع الدم وكأن ما يراه من مشاهد لا تعنيه، وإن كان البعض قد يذهب إلى حد القول، بأن هذا الخطاب هو خطاب المشاعر وتعبير عن الغضب، ولا يمتلك مقومات العقلنة، أو أنه نابع من الإحساس بالهوان لا أكثر، ولكن وإذا ما كانت القضية على هذه الشاكلة وهذا النحو من التقييم والتفكير، فكيف لنا أن نبرر ما تنتجه مثل هذه الثقافة في واقعنا، لا بل والأكثر وبالاً علينا، هو أننا نصطدم كل يوم بذاك الخط الذي يدافع حتى العظم عن تلك الجرائم التي ارتكبت وما تزال بحق الإنسانية، وكيف لنا أن نقرأ في مواقف من يعتبر أن هذا العنصر يستحق الإبادة وذاك يستحق الجلد والسوط والآخر يشكل عالة على الوجود، أليست هي لغة الغرائز، أم أن للمسألة تفسيرات أخرى لم نصل بعد إلى فهمها وتفهما ومعرفة حقائقها، وإن كنا نعي ما تفعله الأجندات والتوازنات ولعبة المصالح في السياسة ..

؟!.

    
  ولعل ما أتينا على ذكرها من ثقافة، هي نفسها التي تقف وراء ما حدث في كركوك يوم أمس، من قتل وترويع وترهيب ومذبحة، وإن جاء تتويجاً واستمراراً ونتيجة طبيعية لما حصل في مجلس النواب العراقي، حين أراد البعض الانقضاض على الدستور، والانقلاب على الشرعية، بهدف الدخول إلى العملية السياسية وفق أجندات وإن كانت تخدم، فهي لا تخدم سوى المتربصين بالشأن العراقي ليس إلا، فذاك كان بوجه سياسي تحت قبة الشرعية، وما جرى على الأرض في كركوك جاء متمماً له، لتفصح عن الوجه الحقيقي لتلك السياسة والمنهجية، وهو في الوقت نفسه امتداد لما جرى في الأول من شباط، حين خرج الناس للاحتفاء بأول أيام عيد الأضحى، وجزء لا يتجزأ من تلك السياسات التي مارست الأنفال واستخدمت الأسلحة الكيماوية واتبعت الإبادة والتطهير عبر المقابر الجماعية، كون الحامل الثقافي هو نفسه كما أسلفنا، وإن تغيير الظرف أو تغيرت الوجوه، والذهنية المتبعة هي ذاتها التي لا تؤمن بالحوار إلا عبر الدم، ولا تفهم من المنطق سوى ذاك الذي يستند إلى الدمار والخراب والغرائز، ولا نغالي إن قلنا بأن هذا هو الداء نفسه الذي ابتلي به العراق منذ أيام الحجاج، والمنطقة منذ أن طغى تفسير (وأطيعوا أولي الأمر منكم) حسب مراكز القوة وقوة السلطة، وهو الموروث نفسه الذي عليه تم إبادة البشر وحرق الحجر، أيام كانت مكنة الدعاية الشوفينية والنزعة السادية تصور القضية، وكأن المستهدفين بالقتل والصلب والإبادة، ليسوا سوى حفنة من الخارجين عن القانون، دون أن يكون لما كانوا وما زال يدعونه من قيم العدالة وسمو الخلق، دور في الوقوف على ما حصل وما يحصل الآن ..؟!.
   إن ما حصل في كركوك، وبالمقارنة مع ما حصل ويحصل كل يوم في بغداد وغيرها من المناطق، لا يشكل سوى عينة صغيرة من عينات حمامات الدم، لكنها تحمل دلالات، بأن معادلة القوة في العراق نحو طريقها إلى التغيير، والمستهدف هذه المرة، كما كان سابقاً، هو الكرد، وهذا ما ينبئ بأن مستقبل العراق ككل بات على كف عفريت إذا ما استمرت المعادلة على هذا المنوال، وإذا ما بقي من يقف وراء مثل هذه الجرائم والمذابح ومن يمارسها أسير الأجندات وثقافة القتل على الهوية، وإن كنا نميل إلى الاعتقاد بأن القيادة الكردستانية سوف تتحمل غضب الشارع الكردي والكردستاني، ولا تنجر إلى اعتماد سياسة الاقتصاص أو مواجهة الدم بالدم، بحكم معرفتها الأكيدة بموبقات تلك الثقافة التي تشرعن الإبادة من جهة، ولقناعتها – حسب ما اختبرناها في التجربة – بأن اللغة التي لا بد وأن تسود، هي لغة المنطق والحوار، كون الركون إلى لغة الرصاصة والمواجهات، فيها هلاك لكل المكون العراقي، ونسف لبعض المكتسبات التي تحققت بفضل دماء الشهداء على مر عقود من الزمن، إلى جانب أن ذلك يتناقض وتلك الرسالة التي وضعت أسسها مجمل الثورات والانتفاضات الكردية، حين كانت تتعامل مع من يحمل سلاح قتلها بنوع من التسامح ..
   بعيداً عن لغة التعصب القومي، وإن كان الذي يجري يبعدنا قليلاً عن الموضوعية، بحكم أن للانتماء حقه وللمشاعر المشتركة وقعتها، فبقليل من الابتعاد عن تلك اللغة، لا بد وأن نتفهم نحن الكرد ما يحاك لنا وضدنا، لأن ما حصل في كركوك ليس سوى صورة من الصور التي تعرضت وتتعرض لها الكرد، ليس فقط في العراق وحده، وإنما في كل رقعة جغرافية كانت الحاضنة للكرد والعمق الجغرافي له، وإن تغيرت الأشكال والصيغ، كون المنهج واحد والهدف مشترك، وعليه فإن رسالتنا لا بد وأن تكون منصبة باتجاه العمل على حشد الطاقات، بهدف الضغط على مراكز القوة الدولية والرأي العام الدولي بغية توضيح الصورة الحقيقية لما تحملها الأجندات التي تستهدف الكرد، إلى جانب الاشتغال على العامل الذاتي وفق ثقافة تحترم الاختلاف والتباين، لأن من شأن ذلك بناء جدران الحماية في مواجهة كل ما يتم التخطيط له بحق الكرد، ومن شأن ذلك أن ينبه الآخر بأن الضحية لا يمكن لها أن تسكين إلى الذل والهوان، لأن صفة الضحية لا يمكن لها أن تكون قدراً تلاحق الكرد إلى حيث الأبد ..
   بقي أن نتقدم إلى كل شهداء الحرية بالانحناء إجلالاً، ومنهم شهداء كركوك، ونؤكد بأن الخزي والعار لابد وأن يكون من نصيب القتلة وإن طال الزمن .

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…