الحصـار الثالث: المانشافت يردهـم عن أسـوارها !

ديـــار ســـليمان

 من يدعـي أن الرياضـة لا تتـأثـر أو تؤثـر في السياسة فليعـد التفكـير مليــآ في رأيـه هذا و ليتـوقف قليـلآ عند بعض الوقائـع…
ليذهب بعيــدآ الى الصـين و لـيسترجع شـريط الأحـداث المتعلق بمـرور الشـعلة الأولمبيـة في التيبت و الأحـداث الدموية التي سـبقتها و المسـاومات التي تمـت لتهـدئة الأوضـاع و منـع نفخــات التــأفف البوذيـة من إطفاء نـارهــا.

أو ليعـد الى قامشـلو، و ليفكـر ثانيـة بالمصـائب و الويــلات التي انهالــت وما زالت على رأس نـادي الجهـاد و كذلك على المدينـة الحزينـة الى درجـة يصعـب معها معرفـة بمن منهما تحـجج الغضـب البعثـي في النزول على رأس الآخـر وإتعاسـه.
إضافـة الى تلاعب بنتـائج ومقاطعـة دورات رياضيـة و حجـر على فـرق و حرمـان لاعـبين لاسـبابٍ سـياسية، فالرياضة و السياسة كانتا دومـآ وجهـان لعملـة واحـدة هي المصالح.

  
  لذلك أزعـم بأن كل من يقــول أن الأتـراك يلعبـون كـرة القـدم في النمسـا هـو واهـم وعليـه إعـادة مشـاهدة شـريط مبارياتهم لـيرى بأم عينـه كيف قلبـوا التوقعـات و بالتالي الملعب رأسـآ على عقب ليس بسبب خـطط و تكتيكـات بل بسبب الحـظ الذي رافق هؤلاء القـوم منذ قدومهم من آسـيا الوسطى حيث يبنـون منذ ذلك الوقت أمجادهم على حساب الآخـرين و أخطائهم والذي جعل منهم هنا من خسارتهم أمام التشيك بهدفين أكثر قـوة فذكـرنا ذلك باسـتئصال أجـزاء واسـعة من جســد الرجل المـريض إبـان الحـرب الأولى فخـرج بالنتيجة صحيحـآ معافى و أكثر شـبابآ و كأن العملية برمتها لم تكن سوى عملية تجميـل.
أمـا العامل الثاني لوصولهم الى هذه المرحلة فهو تنفيذ ما يشبـه عمليـات قتاليـة خلف خطـوط الخصم تحت شـعار: قاتل أو مقتـول، لا تعـرف الفرق بين الفـوز و الانتصـار حتى أن جريـدة (الوطن) التركية كتبت بالبنـط العريض: سـميح أعـاد لنـا الروح، في إشـارة الى هدف التعادل على كرواتيا بعد إنتهـاء وقت المبـاراة و الذي سـبق درامـا ركلات الترجيح، فأية أمـة هذه التي ينفـخ الروح في جسدها القومـي صدمات كهربائية بمجســيّ كرة قـدم وأغاني ابراهيم تاتليسس !
على من يشك بصلـة الرياضة بالسياسة  أن يعيد كذلك تحليـل حركات (فاتـح تريـم) التي أكسبتها تجـاعيد وجهـه أبعادآ أخـرى ليرى هل هو مـدرب لفريـق أم (بويوكانيت) آخـر ببــدلة رياضيـة ينفـذ مع فرقتـه ماراثونـآ هـادرآ باتجـاه كوردسـتان يستمعـون خلاله لآهات جمهـورهم فـتزداد كـرات اللـهب بين أقـدامهم إسـتعارآ تمهيـدآ لقـذف المـدن الكوردية بهـا، أم هـو (صـدرّ أعظـم) مـودرن يعيـد حصـار فيينـا بأعتبارها بوابـة الإتحـاد الأوربـي و ذلك بتكليـف من السلطـان أردوغـان الذي أعيتـه الحيلـة في الدخـول من بـاب عـلاج الملفـات الشائكــة فاختـار شـِباك الرياضة سـبيلآ عله يصطـاد شـيئآ مـا.
فاتـح تريـم إذآ هو القائد العثماني الثالث الذي يحاصر فيينـا و هو على رأس 22 (لاعبـآ) بما فيهم الاحتيـاط.
سُـجل الحصـار الأول بأسم السلطان سليمان القانوني، ففي مايو 1529 بدأ (القانوني) حملته لفتح فيينـا، إذ خرج في جيشٍ كبير يحمل معداتـه 22 ألف (جمـل)، فسـلط مدافعـه على أسوارها لثلاثة أيام متتالية وهدم جزء منها، ثم هجـم جنوده عليها دون ان يتمكنوا من دخولها، في اليوم الرابع أصدر السلطان أوامـره بالرجوع عن فيينا على أمل إعداد جيوشه لمعـاودة الكرة عليها في أقرب وقت.
 الحصـار الثاني نُفــذ في عهد السلطان محمـد الرابع من قبل الصدر الأعظم قـرة مصطفى باشا في يوليو 1683 و استمر 59 يومآ و انتهى بمعركة أمام أسـوارها هُزمت فيها الدولة العثمانية شـر هزيمـة و غادرت أرض المعركة مثخنـة الجـراح.
 قبل 555 عامـآ قـام السلطـان (محمـد الفاتـح) بمحاصـرة القسطنطينية و فتحهـا و تتريكها الى إستانبول، الفاتح الجديد تريـم عـاود مسألة الحصـار بعد كل هذه السنوات لكن من الداخـل إذ كان راغبآ في فتح أبوابها بهـذه الطريقـة ليرفـع رايتـه الحمـراء على قلاعهـا، و ليقـلل من الخسـائر في جيـش أردوغان الذي يقـارع منذ سـنوات دون جدوى في مفاوضات فـرض الإستسلام على أوروبا بالشروط العثمانية.
و كانت صحيفـة (حرييت) التي ترفـع شـعار (تركيا للأتراك) قد كتبت اليـوم في صـدر صفحتها الأولى عنـوانآ مـثيرآ وشـيقآ و هو: (الصداقـة فـوق كل شـيء) في إشـارة الى مبـاراة اليـوم، متناسية الاشتباكات التي حصلت مع الكروات نتيجة استفزازهم بعد المباراة المثيرة، وكان الموضوع سـيكون حقآ أكثر إثــارة و تشـويقآ و مصداقية لو أوردت لنـا صفحـات من كتاب الصداقة التركية ـ الأرمنيـة و التركية ـ الكوردية التي كانت و لا زالت فوق كل شـيء!
هذه الصداقة التي برهن عليها من جهتهـم بعض الكورد القاطنين في مدينة (ماغديبورغ) الالمانية خير برهـان، فقد ذكـر أكثر من مصـدر موثوق أن مجموعة كبيرة منهم و عقب خسارة كرواتيا أمام تركيا خرجت للاحتفال بهذا الفـوز على طريقتهم في شوارع تلك المدينـة و هم يحملون الأعـلام التركية و من ثم ركبـوا سياراتهم و جابـوا هذه الشوارع و هم يطلقـون العنـان لصيحاتهم وأبـواق سياراتهم، استوقفت المسألة مجموعة كوردية أُخرى و صعد الدم في عروقها عندما وجـدوا رفاقهم الذين ينتمون و أيـاهم للحـزب ذاته يتصرفون بهذا الشـكل فأعترضوا طريقهم و حصـل إشـتبـاك كـوردي ـ كوردي تحت ظـلال الراية الحمـراء انضـم اليـه أكـراد آخـرون من جـزء آخر من كوردستان ظنـآ منهم أن المسألة أكـراد و أتـراك، حضـرت الشرطة و ألقت القبض على الأكراد في الطرفين وحررت محاضـر بالخسـائر الحاصلة، إنتهى الخـبر عن الاحتفالات الكوردية!
الكابتن ميشـال بالاك و المانشافات أعـادوا اليـوم الأتراك من (بـازل) قبل أن يحكمـوا الحصـار على فيينـا و أرسلوهم لممارسـة السـياحة في بلادهم التي هي أولى بهم، لأن من لا يعـرف الفـرح الحضـاري و الحـزن الحضـاري و الاحتفـال الحضـاري لا يستحق أن يتنسـم هواء فيينــا.
 شـكرآ شفاينتايغا
شكرآ كلـوزة
شكرآ فيليب لام

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…