العمليات القيصرية في صفوف الحركة الكردية إلى أين..؟

عدنان بوزان

عند قراءتنا وبصورة متأنية لتاريخ خمسينيات القرن الماضي في سوريا ونبش ثناياه وبالأخص ما يتعلق بالشعب الكردي منها وظهور أول تنظيم كردي في سوريا حينذاك نلاحظ أن حالة ظهوره لم يأتي من الفراغ المطلق فقط إنما جمعت بين طاقات هائلة لشعب مندفع وتواق إلى الحرية بالإضافة إلى وجود أرضية صالحة وخصبة مهدت الطريق إلى القيام بمثل هذا العمل التنظيمي الذي بات ضرورة تاريخية ملحة وكذلك اعتبر مسلَّمة من المسلَّمات الصالحة للوصول إلى الغاية المرجوة منها
أي نقطة بداية لتحول تاريخي أنذر ببشائر الخلاص من العبودية المقيتة حيث الاضطهاد والظلم القومي الذي كان يعاني منه هذا الشعب آنذاك ولكي نختصر لأن الموضوع الذي نحن بصدده متشابك والحديث عنه يطول أكثر كلما تعمقنا فيه .

لقد أسس وقاد هذا التنظيم نخبة من المثقفين الكرد آنذاك جمعتهم ثوابت القضية وكذلك إخفاق الثورات التي قامت في كردستان تركية مما خلق نوع من النقمة الشخصية لدى بعضهم وكذلك الإيمان الراسخ بنجاح المهمة وتحول كل ما ذكرناه إلى شعارات ساخنة وعاطفية مما جذب الكثير من المتعطشين وجمعهم حولهم ولم يلبس هذا التنظيم ليرى النور حتى بدأت مرحلة التمجيد تبرز بشعاراتها الرنانة كالتمجيد بالشخصية الأسطورية والأنا الذاتية والعائلية والعشائرية مما فرزت العديد من الأمراض وساهمت في خلق ولادات قيصرية هالكة لكن بالرغم من العيوب والنواقص الكثيرة الذي حمله هذا التنظيم يعتبر الانطلاقة الأولى والواقعية للم شمل الأمة وكذلك المرجع الأوحد للحياة التنظيمية في كردستان سورية وذلك بحفاظها على الكثير من الإيجابيات النادرة مثل الحفاظ على التراث الأدبي والفكري وحتى الاجتماعي الكردي ولذلك لا يسعنا سوى أن نقول رحم الله هؤلاء المناضلين الأشاوس الذين بذلوا بالغالي والرخيص من أجل قضية شعبهم العادلة .


   لاشك أن اختلال الموازين الفكرية والثقافية قد تختلف مع مرور الزمن من حيث التطبيق والأسلوب واختلاط الحابل بالنابل يفرز تباينات فكرية وتنظيمية لا عيب فيها لكن بشرط أن تخدم القضية لا أن تجعل من القضية أداة قمع للآخر وتكبيله حتى يجعل من الأنا الذاتية بعبعاً مقدساً لا يطاله أحد وتصل الأمور إلى القدح والشتم إن لم يكن أكثر من ذلك لتطال القضية .

هنا برزت أسماء ومسميات كثيرة وعديدة حيث الهيئات والجمعيات وأحزاب ما وراء الكمبيوتر وأحزاب الأمة المرخصة والأحزاب الغير المرخصة وفي كل مرة يتحول الشعب أي الضحية لتحمل مسؤولية القيادات وتبدأ انقسامات المنصف السرطانية بالتوالد السريع ويتحول كل حزب إلى عدد من الأحزاب ويستعد كل فصيل بعرض بضائعه الطازجة ويقوم بتسليح خلاياه بالطرازات الحديثة من الكلمات النابية وكذلك بالدفاع الذاتي المقدس وخاصة الدفاع المشروع عن الزعيم الأوحد ويلعب الفرقاء ضد بعضهم البعض حيث القفزات البهلوانية والتهم الملفقة تغزوا العقول لتنخرها بلا هوادة وبالتالي تطال هذه الجرثومة المميتة الجيل الصاعد ويبقى المجتمع خالياً من الشباب الذين هم عصب الحياة ونبضها الحيوي ونحن نعتقد أن هذه الخلافات اللا جوهرية بين فصائل الحركة الكردية يعود إلى عدد من النقاط والأهم منها :
1-  أن الخلاف لم يأتي من الفراغ إنما جاء نتيجة الجرثومة التي تصيب بعضهم (بعض الزعامات الوصولية) وأن تحجج البعض الآخر واعتبار نفسه هو الصحيح والآخر خطأ وأن فصيله كبير والفصيل الآخر صغير إن هذه العبارات الرنانة مجرد دعاية وافتراء للوصولية الزعامية لكسب الشعب إلى جانبه وبالتالي إفشال القضية إن أمكن أو إبطاء حركته قدر المستطاع ليبقى الدكتاتور مجيداً وغير مهمش مهما كانت عظمة التضحية وبالتالي لا يخدم القضية.


2-  وكما نعتقد أيضاً أن الخلاف يعود إلى المنافع المادية والاقتصادية التي قد تستفيد منها بعض الفصائل دون غيرها وذلك من خلال علاقاتهم الكردستانية الواسعة ولا يعتبر خلافات سياسية كما يزعمون ولعل التستر وراء مثل هذه الشعارات لا تنفع الزعامات لأن شعبنا لا يعيش خمسينيات القرن الماضي ولأن العالم أصبح قرية صغيرة ولأن أمة أنجبت صلاح الدين وبيروني وأزدشير وغيرهم لا يخفى عليهم شيء.


وأخيراً نرى ونعتقد أن دور المثقف الكردي بات ضرورة من الضرورات الملحة في هذه المرحلة وذلك لفضح مثل هذه الخزعبلات الطائشة ولتجنب هذا الشعب من ويلات هؤلاء القادة الوصوليين ومخططاتهم العدوانية التي لا تخدم سوى ذاتهم الأبدية

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…