أنور البني يكرّم في السجن

  محي الدين عيسو

عائلة سورية مناضلة دفعت الكثير من سنوات عمرها في سجون البلاد.

عائلة لاقت التعذيب الجسدي والنفسي على يد جلادي الوطن الذين استخدموا كافة الوسائل القمعية لإسكاتها ومنعها من ممارسة النشاط العام في المجالين السياسي والحقوقي، والمطالبة برفع الغبن عن كاهل الإنسان السوري المحروم من كافة حقوقه في العيش ضمن دولة الحق والقانون.

ولكن عائلة البني التي ينتمي أليها  أنور وأكرم ويوسف وسحر وغيرهم استطاعت بفعل إيمانها وقوة عزيمتها أن تجبر كل المنظمات الحقوقية العربية والعالمية وكافة هيئات المجتمع المدني،  والبرلمانات العالمية للدفاع عنهم والمطالبة بحريتهم، لتثبت بأن المواطن السوري قادر على تحمل المسؤوليات حتى لو كان على حساب حياة كامل الأسرة أو العائلة.

حيث منحت الرئيسة الايرلندية ماري ماكاليز في دبلن جائزة حقوق الإنسان إلى المحامي السوري المعتقل أنور البني الذي يرأس منظمة للدفاع عن حقوق الإنسان، أغلقتها السلطات السورية بعد أسبوع واحد فقط على تأسيسها، هذه الجائزة تسلمتها زوجته بالنيابة عنه.

هذا ليس إلا دليلا على ما يتمتع به أنور البني من الاحترام من قبل الدول التي تحترم حقوق الإنسان وتقدر المدافعين عن الإنسان أينما كان.
“فرونت لاين” (الخط الأمامي) هي جائزة تكافئ سنويا منذ 2004 مدافعين عن حقوق الإنسان الذين يعرضون حياتهم الى الخطر في سبيلها.
وقد قدمت للبني كتكريم معنوي على ما قدمه في سبيل الدفاع عن حقوق الإنسان السوري، والمطالبة بحقوقه المسلوبة وهو المسجون داخل السجون السورية.


قالت الرئيسة الايرلندية “أن تكون بطلا لحقوق الإنسان يعني أن تكون في اغلب الأحيان وحيدا.

لهذا السبب من المهم للغاية وجود دعم دولي وتشجيع واعتراف بأولئك الذين يخدمون قضية حقوق الإنسان”.


ونوهت ماكاليز أيضا براغدة عيسى “الزوجة الشجاعة لهذا المحامي الشجاع”.
وحيّت “التضحيات الجمة” التي بذلها البني، ووصفته بـ”بطل” حقوق الإنسان.
وكانت السيدة راغدة العيسى قد طردت من عملها بعد 27 سنة في العمل بوزارة الاتصالات كنوع من الضغط النفسي على زوجها المعتقل ومحاربتهم في لقمة العيش.


أنور البني (48 عاما) بعد أن تخرج من كلية الحقوق، وضع على عاتقه الدفاع عن حقوق الإنسان في سورية, وقد عمل في السياسة المرتبطة بالنشاط الحقوقي حيث لا يتجزأ العمل الحقوقي عن العمل السياسي في دولة تحكمها حالة الطوارئ منذ عام 1963، وقد شارك كعضو فعال في جمعية حقوق الإنسان في سورية وأسس المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، تولى البني  إدارة مركز تدريب المجتمع المدني وحقوق الإنسان الذي افتتحه الاتحاد الأوروبي في دمشق، كما كان له مساهمات في عالم البحث والكتابة، اصدر العديد من الدراسات المتصلة بجوانب قانونية وحقوقية في الحياة السورية منها الانتخابات في سورية: القانون والآلية “، ” مشروع الدستور الجديد لسورية”، “الآلية القانونية لهيمنة حزب البعث في سورية”، ” حقوق عربية للإنسان أم حقوق إنسان عربي”،” الصحافة الالكترونية ودورها”.
وقد أتت المكافئة من السلطات السورية باعتقاله في أيار/مايو 2006 مع تسعة معارضين آخرين بعد توقيع إعلان “بيروت-دمشق، دمشق-بيروت” الذي دعا إلى إصلاح العلاقات بين لبنان وسوريا، وحكمت محكمة الجنايات في دمشق عليه في 24 حزيران/يونيو 2007 بالسجن لمدة خمس سنوات وبدفع غرامة مالية ضخمة مقارنة مع دخله السنوي قدرها مئة ألف ليرة سورية (حوالي  ألفي دولار) بتهمة “نشر أنباء كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة”.
ولا زال أكرم البني (والذي اعتقل سابقا لمدة 16 عاما على خلفية انتسابه لحزب العمل الشيوعي) داخل السجن مع مجموعة من معتقلي إعلان دمشق على خلفية حضوره اجتماع المجلس الوطني للإعلان دمشق الذي عقد في نهاية عام 2007، يشاطره المصير نفسه كل من شقيقته سحر وزوجها مصطفي خليفة وزوجة أكرم روزيت عيسى، و كان يوسف الأخ الأكبر أول من اعتقل في عام 1977 ، وقد تبعه إلى الاعتقال الإخوة الثلاثة الأصغر إبراهيم وأكرم وأختهم الوحيدة سحر الذين اعتقلوا في حملتي العام 1978 ثم أعيد اعتقال أكرم مجدداً عام ,1987 ليمكث في الاعتقال نحو خمسة عشر عاماً بالاستناد إلى حكم من محكمة امن الدولة الاستثنائية، إضافة إلى سنتين سابقتين، فيما كان نصيب يوسف من الاعتقال خمسة عشر عاماً، ونصيب سحر ستة أعوام، و نصيب إبراهيم اقل فترة وهي الاعتقال لمدة عامين.
يذكر الصحفي فايز سارة (الذي أعتقل مع أكرم في حملة اعتقالات إعلان دمشق مؤخراً) بأنه لم يفلت من فاتورة القسوة سوى أخ وحيد هو “كمال” أصغر العائلة والذي يتلقى دراسته خارج سورية، فالجميع زاروا السجون السورية المتعددة حيث يبلغ مجموع السنوات التي قضتها عائلة البني في السجون السوري أكثر من 50 عاماً منذ ثمانينات القرن الماضي.
فهل تستحق هذه العائلة المكرمة خارج الحدود الجغرافية للدولة السورية أن تقضي كل هذه السنوات داخل أسوار السجن وأن تكون من الزوار الدائمين لسياط الجلادين.
تلك العائلة برهنت بنضالها وتضحياتها بأن هناك من هو مستعد لتقديم شبابه من أجل مبادئه وأخلاقياته التي تربى عليها.
عائلة البني تستحق من كل مواطن سوري أن يرفع القبعة احتراما لها ولتضحياتها الجمة في سبيل أن تسود الحرية والديمقراطية كافة أنحاء البلاد.

فسوريا يجب أن تكون وطنا لكل المواطنين، بعيدا عن حالة الطوارئ والأحكام العرفية والاعتقالات التعسفية بحق الكتاب والصحفيين والعاملين في الشأن العام.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…