لمصلحة من الانقلاب على التحالف؟

المكتب السياسي
 للحزب اليساري الكردي في سوريا 

   لقد لعب التحالف الديمقراطي الكردي في سوريا منذ تأسيسه في شهر شباط 1992 ، دوراً قومياً ووطنياً هاماً، إذ كان من جهة الأداة التي لعبت دور العامل الموحد لنضال الشعب الكردي في سوريا والتقريب بين فصائله الوطنية، ومن جهة أخرى لعبت دوراً هاماً في تعزيز التقارب بين الحركة الوطنية الكردية في سوريا وبين باقي الأحزاب والقوى الوطنية والديمقراطية في البلاد، وكان انطلاق إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي شاهداً على ذلك، ومن هنا كان التحالف إنجازاً قومياً كردياً ووطنياً سورياً، وكان من الواجب، بل من الضروري حمايته وتطويره، وكانت إقامة المجلس العام للتحالف كأحد مؤسساته خطوة هامة على طريق تعزيزه وتوسيع قاعدته السياسية.
     لقد كانت مأثرة التحالف واحد الأسباب الرئيسية لنجاحه ترتكز في الأساس على الروح الجماعية في كل أعماله وقراراته عبر التوافق والتداول بين أطرافه، وليس على أساس مقولة دور الحزب القائد والقائد الضرورة التي ولى زمانها وأكل عليها الدهر وشرب، غير أنه يبدو أن البعض قد صدّق ولو للحظة بأن الحزب الفلاني أو الشخص الفلاني هو الذي يقود التحالف، ومع الأسف فأن هذا البعض في التحالف قد استرسل هو نفسه في توزيع هذه الإشاعات، وأقدم عبر العديد من المحاولات التآمرية، وفي جو من التآمر الحزبي المقيت، على محاولة الهيمنة على قرارات التحالف، أو على إضعاف التحالف وتخريبه إن لم ينجح في الهيمنة عليه، متناسياً أن التحالف يتكون من أربعة أحزاب مختلفة ومتساوية في الحقوق والواجبات، وأن كل قرارات التحالف تتخذ بالتوافق بين أطرافه.
     ورغم أننا كنا نراقب بدقة ممارسات تلك الجهات ونؤكد باستمرار على ضرورة توقفها إلا أنها لم ترعوي، فأقدمت سراً على محاولة إقامة تحالف ثلاثي جديد يقوم على أنقاض كل من التحالف الديمقراطي الكردي في سوريا والجبهة الديمقراطية الكردية في سوريا، كما أقدمت سراً على إقامة عدد من التوافقات مع بعض أطراف إعلان دمشق، ولم تقم بإطلاع باقي أطراف التحالف عليها حتى اللحظات الأخيرة قبيل عقد المجلس الوطني لإعلان دمشق.
     لاستكمال دائرة المؤامرة، فوجئنا في أول اجتماع للمجلس العام للتحالف بعد انعقاد المجلس الوطني لإعلان دمشق بطرح حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا الذي يتضمن إلغاء اللجنة العليا للتحالف ودوره، وإلغاء مبدأي التوافق والتداول في التحالف، والاستعاضة عن ذلك بالمجلس العام للتحالف واتخاذ كافة القرارات فيه بالأغلبية المطلقة، وتسمية عضو دائم من التحالف في الأمانة العامة لإعلان دمشق عن طريق انتخابه في المجلس العام خلافاً للنظام الداخلي للتحالف، وقد سانده في ذلك الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا، مستغلين وقوف أغلبية المستقلين في هذه الدورة معهما.
     بعد ذلك ألغى الحزبان المذكوران اجتماعات اللجنة العليا للتحالف وكأن هذه الهيئة غير موجودة، ولم يعودا يقبلان بغير المجلس العام، كل ذلك بالضد من موقفي الحزب اليساري الكردي في سوريا والحزب الديمقراطي الكردي في سوريا(البارتي) اللذين دافعا عن موقفيهما بشكل واضح وصريح أثناء عدد من اجتماعات المجلس العام، وقد ارتكز موقفي اليساري والبارتي على الأسس التالية:
1-              إن مرجعية التحالف هي برنامجه السياسي والتنظيمي.
2-              إن التحالف هو في الأساس تحالف أحزاب، وهذا ما يؤكد عليه البرنامج التنظيمي.
3-              وفقاً للنظام الداخلي فأن اللجنة العليا هي التي تقود التحالف، وأي خروج على ذلك يعني انقلاباً على التحالف وبرنامجيه السياسي والتنظيمي.
4-              إن التحالف وفقاً للنظام الداخلي يتكون من أحزاب مختلفة متساوية في الحقوق والواجبات، وأنه مبني على التوافق بين أطرافه، وعلى التداول في قيادة التحالف وتمثيله في كافة المهام والهيئات، وأن قراراته تؤخذ بأغلبية الثلثين.
5-              أن دور المجلس العام للتحالف يقتصر فقط على القرار السياسي وفقاً لما هو منصوص عليه في النظام الداخلي، وأن دور المستقلين اللذين نؤكد على احترام وجودهم في المجلس العام لايتجاوز المشاركة في القرار السياسي ، وليس لهم الحق، في التصويت على تغيير النظام الداخلي للتحالف، إلا ما يخص صلاحياتها في إطار المشاركة في القرار السياسي.
أن المبادئ الخمس المذكورة تشكل جوهر البرنامج التنظيمي للتحالف، ويمكن إطلاع أية جهة مهتمة بمستقبل التحالف ومصيره عليها، وهي معروفة منذ انطلاقة التحالف عام 1992، وكافة الأحزاب الكردية داخل وخارج إطار التحالف تعرفها جيداً.
     بدلاً من الشعور بروح المسؤولية، وبضرورة حماية التحالف، تلك الأداة القومية والوطنية الهامة، فقد اجتاحت حزبي الوحدة والتقدمي والمستقلين في المجلس العام حمّى عجيبة في الانقلاب على التحالف، وإلغاء اللجنة العليا، وإلغاء مبدأي التوافق والتداول في التحالف، علماً أن أياً من الحزبين المذكورين والمستقلين لم يعترض على النظام الداخلي، وبخاصة على المبادئ الأساسية التي يقوم عليها التحالف، وفي المقدمة منها مبدأي التوافق والتداول منذ تأسيس المجلس العام للتحالف بعام 2001 ولغاية أوائل عام 2008.
     لقد شكل اجتماع 9/5/2008 للمجلس العام والقرارات الصادرة عنه انقلاباً حقيقياً على التحالف نفذه حزبا الوحدة والتقدمي والمستقلون في المجلس العام، ونحملهم مسؤولية هذا الانقلاب وتداعياته، وهو ما بلغناهم به قبل الاجتماع المذكور.
     لقد طلبنا من رئيس الدورة الحالية للتحالف (حميد درويش) شفهياً بتاريخ 5/5/2008 ضرورة عقد اجتماع للجنة العليا وتأجيل اجتماع المجلس العام إلى إشعار آخر لأن الخلافات الموجودة تخص فقط الأحزاب وحلها يقع في إطار صلاحياتها فقط، لكنه رفض ذلك، وبتاريخ 6/5/2008 وجهنا رسالة خطية إليه، تم تبليغ نسخة منها لحزب الوحدة، فرفض ذلك أيضاً بإصرار عجيب، وبالفعل عقدت جلسة المجلس العام، وكانت قراراته انقلابية بكل المقاييس.
     إزاء كل هذا التآمر فقد تعاهدنا مع الرفاق في البارتي عل أن نستمر في التحالف تحت اسم اللجنة العليا، ولم يكن أمامنا سوى تجميد عضوية التقدمي إلى إشعار آخر بسبب تآمره وعدم صدقه في العمل التحالفي، وحياكته لمختلف الدسائس بين أحزاب التحالف.
     السؤال الأهم هنا هو لماذا الانقلاب الحالي ومن يخدم؟
     أن أي مبتدئ في العمل السياسي يدرك فوراً أن هذا الانقلاب يهدف إلى ضرب مؤسسة التحالف كإنجاز قومي ووطني، وإلى ضرب وحدة الحركة الوطنية الكردية في سوريا، وإشاعة أجواء المهاترات بدلاً من الحوار السياسي الجاد، وإلى ضرب إعلان دمشق وإضعافه من خلال إضعاف الكتلة الكردية فيه، وكل ذلك لا يخدم قضية الشعب الكردي والقضية الوطنية والديمقراطية للشعب السوري عامة، ويتحمل الإنقلابيون كل تبعات وتداعيات انقلابهم المقيت.
     أن حميد درويش ومنذ فترة يشن حملة إعلامية مشبوهة بكل المقاييس ضد كل من الحزب اليساري الكردي في سوريا والحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي)، وندرك تماماً أنه من خلال هذه الحملة يحاول إعادة أجواء المهاترات التي لا تخدم مصلحة شعبنا الكردي وقضيته القومية والديمقراطية والتي لا نريد من جهتنا أن نقع فيها، مع أننا نستطيع رد الصاع صاعين، خاصة أن في مواقفه وسلوكه مكان كبير للطعن.
     لقد أصبح سلوك حميد درويش مشوشاً وغير متوازن، فهو ينتقل من حالة إلى أخرى دون أي ربط بينهما، لقد فقد توازنه الشخصي وتركيزه الذهني، وأصبح عبئاً حتى على حزبه، وفقد الشجاعة في تحمل مسؤولية مواقفه وتصريحاته، فقد طالب في اجتماعات إعلان دمشق بتجاوز قاعدة التوافق بالرغم من أن وثيقة الإعلان الأساسية تؤكد أن الإعلان يقوم على التوافق بين أطرافه فما هي خلفيات هذا الطرح؟ وطرح أيضاً في نفس الاجتماعات إلغاء الخصوصية الكردية في الإعلان بالرغم من أن الأحزاب الثلاثة الأخرى في التحالف وقفت ضد موقفه، فهو إذن لا يمثل مواقف التحالف بقدر ما يمثل توجهه الشخصي الذي ينبغي التوقف عنده.
     إذا كان حميد درويش يلعب الدور المركزي في حزبه فهذا شأنه وشأن حزبه ورفاقه، ولهم أن يوافقوا على ذلك أو يرفضوه، ولكننا لم نسمح لأي كان حتى بمحاولة الهيمنة على قرار التحالف الذي هو عبارة عن مؤسسة قومية وتجربة ديمقراطية أصبح عمره أكثر من16 عاماً، وأنه ينبغي حمايته بكل حزم.
     لقد سبق لحميد درويش أن عطل هيئات ولجاناً أخرى، لقد عطل لجنة العلاقات الوطنية المنبثقة من المجلس العام لأنه شعر أن الأعضاء الآخرين في اللجنة يتميزون عليه بمستوى الوعي والثقافة والإدراك السياسي، أنه شخص عجيب يريد أن يكون ديكتاتوراً ولكنه مع الأسف لا يستطيع توفير مستلزمات هذه الشخصية وكاريزميتها.
القامشلي 24/5/2008  
المكتب السياسي
 للحزب اليساري الكردي في سوريا 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني عبدالباسط سيدا الوضع الدولي على غاية التعقيد، وكذلك الوضع الإقليمي، وهذا يعود إلى عجز النظام العالمي، الذي توافقت بشأنه القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية 1939-1945، على مواكبة التطورات والمتغيرات التي استجدت منذ انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991. وقد تمثّل في تراجع المكانة الاستراتيجية لبعض القوى الدولية المؤثرة، وانشغال روسيا بأوضاعها الداخلية، وبروز الصين…

صلاح عمر في زمنٍ تُدار فيه الحروب على منابع الطاقة، وتُرسم فيه خرائط النفوذ بخطوط النفط والغاز، تبدو المفارقة في روجآفاي كردستان أكثر قسوةً من أن تُحتمل. فهنا، لا يدور الصراع على من يملك الثروة… بل على من يُحرم منها، رغم أنها تخرج من أرضه، وتُحمَّل أمام عينيه، وتغادر دون أن تترك له سوى طوابير الانتظار. في الوقت الذي يتصاعد…

اكرم حسين تقتضي الضرورة التاريخية الراهنة، أكثر من أي وقت مضى، إجراء مراجعة نقدية للمسارات السياسية التي سلكها الوعي الجمعي السوري منذ منتصف القرن العشرين، حيث ظلّت الدولة والوجدان العام رهيناً لمشاريع أيديولوجية شمولية حاولت قسراً صهر الوجود السوري المتعدد في أطر “فوق-وطنية”، مستندةً في ذلك إلى شعارات العروبة “الراديكالية ” أو”الأممية” الدينية التي تجاوزت حدود الجغرافيا والواقع المعاش…

سرحان عيسى بدايةً، لا بد من التأكيد على الاحترام الشخصي والتقدير للأستاذ عبدالله كدو، لما يمتلكه من تجربة ورؤية تستحق النقاش. غير أن هذا الاحترام لا يمنع من الوقوف عند بعض النقاط الجوهرية التي وردت في مقاله، خاصة حين يتعلق الأمر بمسار الحركة السياسية الكردية في سوريا ومستقبلها. إن الدعوة إلى تفعيل الطاقات والكفاءات الكردية السورية هي دعوة محقة ومطلوبة،…