وتحلو الحياة لكن … بعيداً عن ؟؟؟؟

توفيق عبد المجيد

وتحلو الحياة بعيداً عن السياسة … وبعيداً عن السياسة يتجمّل الكون … بعيداً عن السياسة تشطب خطوط العرض والطول من على مجسم الكرة الأرضية … بعيداً عن السياسة تتلاشى الحدود المصطنعة … تطير العصافير وتزقزق البلابل بلا رقيب … وبعيداً عن السياسة وتداعياتها تنتقل الفراشات في تجاهل تام لهذه الحدود … تواصل التحليق والطيران بلا حدود … وتتحرك الأمطار والرياح وتنتقل هي الأخرى دون قيد أو حاجز طبيعي أو بشري … في فضاء الله الواسع وأرضه … في وديانه وهضابه … في سهوله وجباله .
علمونا أن الحدود صنيعة الاستعمار والمستعمرين … ولكن لم يقولوا لنا أنه رحل وبقينا نحن حراساً أمناء على تركته وحدوده المصطنعة … بعيداً عن السياسة وتعقيداتها يختفي حراس الحدود … ولا حاجة إلى موظفي الجمارك … ومؤشري جوازات السفر … وممارسي الروتين والوجوه غير المستحبة … بعيداً عن السياسة وأحابيلها ومفخخاتها وسلوكياتها ولو للحظات … تحلو الحياة … لأن الحروب المقيتة امتدا لها.
نظرت إلى السياسة بعين واحدة … فلم أشاهد إلا الوجه الكالح لها … بينما أبصر غيري وجهها النير … كرهت السياسة التي اغتالت الحقيقة على مر التاريخ … صلب السياسيون الحلاج عندما أمروه بالارتداد عن فلسفته وتصوفه وعشقه الإلهي … فقطعت أطرافه عضواً عضواً بتأن وتوحش وسادية … ولم يتراجع الحلاج قيد أنملة عن أفكاره في ذلك الزمن المغدور ، وقطّعوا إبن المقفع تقطيعاً … وشلواً شلواً … ثم أطعموه لحمه شواء … كرهت الساسة والسياسيين عندما أصدروا فرمانات بحرق كتب ابن رشد وهي التي تحوي على كنوز المعرفة وذخائرها… وتألمت غاية الألم عندما أرغم الجبابرة والطواغيت (غاليلو) على إنكار نظرية دوران الأرض … والقول بثباتها … وعندما “أحرقت الكنيسة في روما العالم الإيطالي برونوعلى سيخ الشواء عقاباً له على أفكاره التي كانت ضد تعاليم الكنيسة “.
وبكيت… ثم بكيت … عندما ضربت هيروشما ، وناغازاكي، وحلبجة بحقد السياسيين فأحرقت بالنيران التي كادت أن تأكلهم من الداخل لو لم يصبوها على غيرهم من الآمنين المسالمين … ولكن ما أدمى قلبي أكثر … وخنق الغصة في حلقي … والعبرة في عيني … فأبقاني رهينة للحسرة والأسى … عندما تراجع المتنورون تحت التهديد بالقتل … وإصدار الفتاوى المجحفة … عن معتقداتهم التي توصلوا إليها بالعقل والمنطق ليزيلوا الغشاوة عن الأعين … ليساهموا في انقشاع الضباب وزوال الدخان … لكنهم لم يصمدوا أمام آلة البطش والتنكيل … أمام الماكينة البشرية … وهي تقلع الأعين … وتقطع الأيدي والأرجل … تقطع اللحم وتشويه … وتطحن العظام وتذروه… فحاولوا في لحظة خوف من المجهول القادم … صب الزيت على مؤلفاتهم وإضرام النار فيها لتستمر الجاهلية العمياء مخيمة على العقول والقلوب أزماناً أخرى.
واستسلمت للبكاء – والاستسلام ضعف – فهطلت الدموع من عيني مدراراً أفقدني التوازن والتجمل … وكانت خشيتي أن أفقد عزة النفس والإباء والمعتقد … فأقول مع زردشت ما قاله للناسك الباحث عن الله : (ألم تعلم أن الله قد مات).

20/4/2008

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…