ماذا جنى «العمال» من الهجوم التركي الأخير؟

  فاروق حجي مصطفى *

 

على رغم المعرفة المسبقة من قبل الأتراك بأن الهجوم الذي شنّوه داخل الدولة ذات السيادة (العراق)، وهو خرق واضح للعلاقات الدولية حتى لو جاء الهجوم بدعم واشنطن، لا ينهي حزب العمال الكردستاني بل يزيد التوتر بين الأكراد والأتراك ويساهم في خلق التشققات في النسيج الاجتماعي والسياسي التركي.

فقد سبق ان جرب الأتراك هذا النوع من الحروب (24 مرة) ورجع الجيش الى ثكناته خاوي اليدين.

ولم يجن أي ثمار غير انه لاقى الانتقادات من قبل مؤسسات المجتمع المدني (الإعلام ، منظمات حقوقية) لسياسته التي تتناقض مع المصالح التركية الوطنية الحقيقية التي تكمن في بناء علاقة حسن جوار مع المحيط والحفاظ على التوازن الاجتماعي والاقتصادي في ظل الاقتصاد المأزوم بالأصل.

ولعل تجربة اسرائيل خلال حرب تموز يمكن ان تؤخذ كمثال ما زال حاضرا في التحاليل السياسية والعسكرية.

فمن يقرأ تقرير فينوغراد (الإسرائيلي) الأخير بعمق يعرف كم ان مثل هذه الدول تخطئ في التقييم.

فاذا عجزت إسرائيل عن الانتصار على إرادة لبنان مع انها مدعومة من واشنطن وغيرها من الدول الأوروبية ومع ان الانتقادات التي وجهت من الدول العربية لحزب الله أسعدتها، يبقى الاهم ان اكبر جيش جرار لا يمكنه الانتصار على المنظمات التي تتدرب وتحارب عناصرها بأسلوب حرب العصابات.

وهذا مع ان الفارق بين حزب الله وحزب العمال الكردستاني واسع، حيث ان إسرائيل هاجمت حزب الله وهو من دولة أخرى ولا يملك أي أنصار داخلها وان كان ثمة من يتعاطف معه في العمق.

المسألة تكمن في ان الحروب النوعية تحتاج الى أنصار من الداخل، وتاليا لا يمكن استغلال هذه العواطف بشكل مطلوب.

وبالنسبة لحزب العمال فهو يتواجد في المثلث الحدودي وله عمق جماهيري وأنصار وثقل الى جانب منظمات لحروب العصابات تؤمن بالانتحار والتفجيرات (كصقور كردستان، وأشبال آبو) بإمكانها ان تشعل النار وسط المدن التركية.

وثمة من يرى بأنه لولا مساعدة الأميركان لما استطاعت تركيا خوض مثل هذه المجازفة، ولا يختلف اثنان على ان ما قامت به تركيا نوع من الهروب الى الأمام.

في الحقيقة ان الهجوم البري التركي الاخير نبه العمال الكردستاني و أكراد أوروبا والفعاليات الكردية الى أهمية نقل فعالياتهم النضالية الى الداخل التركي (الساحة الحقيقية)، وذلك لأجل تغيير قواعد اللعبة وخلق موازين قوى جديدة في الساحة التركية.

ففي حال عجز العمال الكردستاني عن ان يواجه الجيش في الداخل بطريقة نوعية، وهذا ممكن لان الظروف في المدن تختلف عن الظروف في الجبال، فبإمكان حزب العمال استغلال نفوذ الأكراد الرسمي والاستفادة من المؤسسات الأهلية والمدنية واستثمارها ايجابيا لصالح الأكراد، من خلال العصيان المدني، وعند ذلك سيحقق الأكراد عدداً من الأهداف:

أولا: تبرئة أكراد العراق الذين عجزوا عن الدفاع عن «العمال» لأسباب مفهومة، من تهمة دعمهم.

ثانيا: تمرين الناس على الممارسة الديموقراطية السلمية والذي ينسجم مع مطالب الأكراد وحقوقهم.

ثالثا: في الصراع الداخلي او عند العصيان الداخلي سيكون ثمة تأثير قوي على نفوذ الحزب الحاكم «العدالة والتنمية» من داخل صفوف الاكراد.

فهذا يخلق وضعا معقدا أمام الموالين من أصول كردية للحزب.

رابعا: ان الصراع الداخلي سيكون له اثر على سلوك الأكراد السياسي والحزبي، فيدفعهم لأن يتشبثوا أكثر بخصوصيتهم الوطنية في كل جزء.

ثم انه كلما ازداد الترابط الأميركي التركي، ونتائجه بالتالي، أي الهجوم التركي على الأكراد، تقلص نفوذ الأميركان- الذين تملصوا من وعودهم أمام الأكراد.

——

* كاتب كردي

الحياة     – 12/03/08//

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

سعيد يوسف دار الحرب مصطلح فقهي إسلامي قديم، ارتبط ظهوره تاريخيًا بزمان ومكان محددين، ويقابله مصطلح دار الإسلام. وليس المقصود بالدار هنا المنزل أو دار السكن، بل يراد به : الإقليم أو الدولة والبلدة. تعريف دار الحرب : هي كل بقعة تكون أحكام الشرك فيها ظاهرة. أو كلّ بقعة لا تسود فيها أحكام الإسلام، والسلطة فيها للكفار. وقد وضع…

د. محمود عباس إلى دول الخليج، وإلى العشائر العربية في سوريا والعراق: انتبهوا قبل أن تلتهمكم النار التي يُراد إشعالها باسمكم. من يدفع بعضكم اليوم إلى محاربة الكورد لا يحمي العرب ولا سوريا، بل يستخدم الدم العربي وقودًا لمشروعين إقليميين يتنافسان على إخضاع المنطقة: المشروع التركي والمشروع الإيراني. لا تمنحوا داعش اسم العشيرة، ولا تمنحوا مرتزقة تركيا غطاء العروبة. فالخيام…

د. حمدي سنجاري يتحمّل رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، مسؤوليات تُعدّ من بين الأكثر تعقيداً في المنطقة، فالعراق يقف عند تقاطع تحديات داخلية وإقليمية ودولية تجعل من قيادة الدولة مهمة استثنائية بكل المقاييس. ولعلّ صعوبة هذه المهمة هي ما يجعل تولّيها، بحدّ ذاته، تعبيراً عن الثقة بالقدرة على الإنجاز، إذ إنّ قيادة العراق اليوم لا تحتمل الاكتفاء بإدارة الأزمات،…

دلدار بدرخان لست هنا بوارد إثارة الفتنة بين مكونات الشعب الواحد ، ولا أبتغي فتح جراحٍ جديدة أو صب الزيت على نار الخلافات الداخلية ، وإنما ما أود التطرق إليه في هذه الجزئية هو أحد أكثر المواضيع إثارةً للجدل في الأوساط الشعبية الكوردية ، ألا وهو موضوع تبرؤ بعض الإيزيديين الكورد من كورديتهم ، والتمسك بمفهوم أن ” الإيزيدية…