حل ازمة الرئاسة اللبنانية بين توسيع صلاحيات رئيس الدولة وحكومة تكنوقراط

موسى موسى

خضع الدستور اللبناني لتعديلات عدة منذ دستورعام 1926 الذي أسس النظام النيابي (البرلماني) في لبنان، وقد جاء في آخر تعديلاته عام 1990 ليؤكد على النظام البرلماني في مقدمة الدستور ” أن لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية ” كما اعتبر رئيس الدولة غير مسؤول سياسياً في المادة 60 منه ” لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظائفه “.

وجعل كذلك مسؤلية الوزارة مسؤلية تضامنية مقابل المسؤلية الفردية لكل وزير بموجب المادة 66 منه التي نصت على ان ” يتحمل الوزراء اجمالياً تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة العامة ويتحملون انفرادياً تبعة أفعالهم الشخصية “.
وكذلك المادة 17 التي نصت على ان ” تناط السلطة الاجرائية بمجمل الوزراء وهو الذي يتولاها طبقاً لاحكام هذا الدستور.

“هذه المواد وغيرها التي تؤكد على برلمانية النظام السياسي في لبنان الذي ينتفي فيه رئيس الجمهورية بمفرده ممارسة أي سلطة من السلطات الدستورية بخلاف انظمة الحكم الرئاسية الذي يتمتع فيها رئيس الدولة بسلطات واسعة بمفرده.

كما ان انتخابات رئيس الدولة في الانظمة البرلمانية ومنها لبنان عن طريق البرلمان وليس من الشعب مما يفقده شعوره بالقوة تجاه البرلمان، الذي يجعل منه خاضعاً له لولا التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وتمتع كل منها بسلاح التوازن تجاه الآخر.


هذا الشكل من النظام السياسي (البرلماني) في دول الشرق الاوسط الذي يكون من الصعوبة ضمان استمراريته على الاقل في الفترات الماضية نتيجة بقاء الكثير من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومشاكل القوميات والطوائف دون حل فيها، جعلت تلك الانظمة السياسية معرضة لهزات عنيفة وكان لبنان خير نموذجٍ في ذلك، حيث كان يتطلب رئيس يتمتع بصلاحيات أوسع يستطيع بها أن يفرض الولاء الوطني على الولاءات الاقليمية والدولية والطائفية – بغض النظر إذا ماكان نظام الحكم البرلماني أو غيره هو الافضل –
وقد ظهرت وبرزت الى العلن سعي ما يسمى بالمعارضة اللبنانية في تجريد رئيس الجمهورية اللبنانية المقبل – ميشال سليمان – من كافة صلاحياته المقررة له دستورياً قبل انتخابه، حيث سعت قوى المعارضة بإملاءاتها على الرئيس المقبل قبل الانتخابات الرئاسية ضماناً لحصولها على الثلث المعطل، الضامن، وقد شاركتها في ذلك المؤسسة الستورية اللبنانية – البرلمان – بشخص رئيسها، مما عطلت نفسها في غياب رئاسة الجمهورية، مما جعلت من لبنان دولة بلا مؤسسات لولا الحكومة التي حرصت رئيسها واعضائها من الموالاة في الابقاء عليها ، رغم اتهاماتها باللاشرعية الدستورية.
لبنان الذي خطط له أن يكون ساحة للمعارك الاقليمية منذ اكثر من ثلاثين عاماً دخل في مرحلة جديدة من حرب التجاذبات السياسية، الاقليمية والدولية، كل لتقوية نفوذ حلفائها في تمرير مشاريعها سواءً اكانت سلباً أم ايجاباً على الوطن لبنان، حتى بات من المستحيل تنصيب رئيس للجمهورية وفقاَ للاصول الدستورية التي استدعت منذ البداية دعوة المجلس النيابي الى الانعقاد وانتخاب الرئيس دون أن يتم التاجيل تلو التأجيل .
الخروج من الازمة ومشكلة تفسير قرار مجلس الوزراء العرب:
استطاعت الجامعة العربية أن تخرج بالاجماع، في اجتماعها الطارئ لوزراء الخارجية العرب المنعقد في القاهرة في الخامس من كانون الثاني 2008 أن تتفق على ايجاد حل للأزمة الرئاسية في لبنان، لكي لا تحال الازمة الى مجلس الامن، وبمشاورات مع الفرقاء اللبنانيين على قاعدة لاغالب ولا مغلوب على نقاط ثلاثة هي:
1- التوافق على ترشيح العماد ميشال سليمان لمنصب رئاسة الجمهورية والدعوة الى انتخابه فوراً وفقاً للاصول الدستورية.
2- الدعوة الى الاتفاق الفوري على تشكيل حكومة وحدة وطنية تجري المشاورات لتأليفها طبقاً للاصول الدستورية على ألايتيح التشكيل ترجيح قرار أو اسقاطه بواسطة أي طرف ويكون لرئيس الجمهورية كفة الترجح .
3- يبدأ العمل بصياغة قانون جديد للانتخابات فور انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة.


قرار الجامعة العربية هذا الذي جاء بعد سلسلة من المساعي الاقليمية والدولية التي لم تسفر عن نتيجة، وذلك للتعنت المصاحب بالتدخلات والاملاءات الخارجية الذي اثبت عدم إمكانية التوافق لصالح أحد الاطراف مما خلق مشكلة أخرى في البند الثاني من قرارها عندما رجح كفة رئيس الجمهورية على قرارات الاطراف في الاسقاط أو الموافقة.


كيفية ترجيح كفة رئيس الجمهورية:
 يعتمد الدستور اللبناني ثنائية السلطة التنفيذية شأنه في ذلك شأن كافة انظمة الحكم البرلمانية.

وثنائية السلطة التنفيذية هي:
 1 – رئيس الجمهورية.
2- الوزارة.


وبموجب الدستور اللبناني تكون السلطة الاجرائية مناطة بمجلس الوزراء، لذلك وبناءً على قرار مجلس الوزراء العرب بشأن الازمة السياسية في لبنان – الازمة الرئاسية- في حال تطبيقه يكون أمام المؤسسات الدستورية اللبنانية التالي :
1- تعديل  المادة 49 من الدستور لصالح انتخاب العماد ميشيل سليمان لرئاسة الجمهورية، حيث تنص المادة 49 من الدستور بشأن رئيس الجمهورية على : “… كما وانه لا يجوز انتخاب القضاة وموظفي الفئة الدولى، ومايعادلها في جميع الادارات العامة والمؤسسات العامة وسائر الاشخاص المعنوبين في القانون العام ، مدة قيامهم بوظيفتهم وخلال السنتين اللتين تليان تاريخ استقالتهم وانقطاعهم عملياً من وظيفتهم أو تاريخ إحالتهم على التقاعد.


ويعتبر العماد ميشال سليمان من موظفي الفئة الاولى، ولايزال قائماً على عمله، لذلك لا يجوز انتخابه لرئاسة الجمهورية إلا بتعديل نص المادة /49/ .
2- وكي يتم ترجيح كفة رئيس الجمهورية لا بد:
أ- إما إدارج الترجيح لرئيس الجمهورية دستورياً، وذلك بتوسيع صلاحيات رئيس الجمهورية بشأن اتخاذ القرارات، ويكون في ذلك خروجاً على النظام السياسي البرلماني باتجاه النظام الرئاسي ، مما تفقد مقدمة الدستور معناها كونها تؤكد على النظام البرلماني في لبنان وكذلك الكثير من مواد الدستور.
ب- عدم إدراج ترجيح كفة رئيس الجمهورية في الدستور والإملاء عليه لتعيينه لحكومة بعض اعضائها من التكنو قراط غير المحسوبين لاعلى الموالاة ولا على المعارضة بحيث تفقد الاغلبية أغلبيتها وكذلك عدم حصول المعارضة على الثلث المعطل او الضامن .


وفي كل الاحوال يخضع رئيس الجمهورية بشأن تعيينه لرئيس الحكومة وكذلك الأخيربشأن تعيينه للوزارة، لمشاورات وتوافقات الاطراف السياسية المختلفة في المجلس النيابي ولا يمكن القول بان رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يتمتعان باستقلالية في تشكيل الوزارة .


ان الخارطة السياسية في لبنان، في الكثير من برامجها ومشاريعها متداخلة مع الانظمة الخارجية التي تهدد استقلال لبنان وتجعل نظامه السياسي مهتزاً لا يستقر إلا بالايمان بأولوية المهام الوطنية على الأجندات الاقليمية والدولية والانفكاك عنها .

أما البند الثاني من القرار الصادر عن الجامعة العربية، أي ترجيح كفة رئيس الجمهورية الذي يعود تفسيره للجامعة العربية، سيخضع بالتأكيد لتأثير القوى الداخلية والخارجية وبما يتلائم ومصالحها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…