أعـلامُ القومجية: خـرقّ بالية لتلميع أحذية الدكتاتور

 ديـــار ســـليمان

 يثـورُ جـدلّ يطفـو على السطح بين الفينة و الأخـرى في دولٍ شـمشونية الهـوى قزمـة الأبعـاد يزلزل كيانها كلمـة هنا وأخـرى هناك، حـول المومياءات الثـلاث: الدستـور، العلـم و النشيد الوطني، و الذي يرقـد كلّ منها في إحـدى زوايا مثلث المـوت الذي يمتلكـه (القومجية) و الذي يقـومون بإشـهاره كالفزاعـة في وجـه كل من يقـترب من هذا (التابـو) بتهم تـوصل الى ما وراء الشمس.
و مصـدر الجـدل ليس مـدى القدسية التي يتمتع بها كل من هذه المفاهيم، بل في تحـولها الى ماركة مـسجلة بأسم شـخص أو جماعة يـتلاعبون بمقاساتها حسب مصالحهم، حيث يتحـول دسـتور الدولة الى لائحـة بحقـوق الحاكم و واجبات الرعيـة، و يكـون النشيد الوطني عبارة عن قصيـدة مـدحٍ أبديـة يتغنى بها المواطنون صباح مساء بحاكمهم و مرحلته، و في حـين يفترض أن يكون العلم هويـة للوطـن يتم تكريمه برفعه في أعلى الأمكنـة، يـرى فيه الحاكم قطعـة قمـاش يغيرها كلما وجـد ذلك ضـروريآ ليناسـب لون حـذاءه الذي لا يجـد حاشيته غضاضـة في إستخدامه في تلميع ذلك الحـذاء الى أن يتم إسـتهلاكه مع صاحبه، فيتم إيجـاد البديل لكليهمـا.
 في مثل هذه الدول التي  يُسـاق فيها المواطنـون فـرادى و جماعات الى محاكم صـورية بتهمٍ ما أنـزل الله بها من سـلطان  من قبيل خـرق الدستور أو تحقير العلم الوطني و الأزدراء بالنشيد الوطني، يثـور السؤال فيما إذا كان هـؤلاء المواطنون يلحظـون أثـرآ لهم في هذه المفاهيم التي يجب أن تكون مـعبرة عما يـدور في ضمائرهم و فيما إذا كانت ردة الحاكم على هذه الخروقات (إن وجـدت) هي أكـثر من مجـرد رد فعل ذاتي على الأقـتراب من أمـلاكه.
 و لعل الجـدال الذي لا يزال مـستمرآ حول العلم العراقي و الذي ربما سـيلحقه جدالات أخرى حول أعلام دول أخرى يقع ضمن سـياق الحديث أعـلاه، فالمرحلـة الساقطة لا تزال تعشعـش بظـلالها في عقـول البعـض مثلها مثل المراحل الآيلـة للسـقوط و التي سـيكون الحفاظ على  ذكريات البعض الحميمـة التي كانت تحت ظـلال هذا العلم أهم بكـثير من كونه مـعبرآ عن حقيقة الوطـن وهذه هي حقيقـة كل الأعـلام  المـرفوعة في كوردستان حيث تتجاهـل جميعها الكـورد كجـزء من الـدول التي تتبعهـا كوردستانهم بأجـزائها الأربعة.
 في كوردسـتان الأقليم يرفع اليـوم علم كوردستان، و يتعرض الكورد بسبب ذلك الى عاصفة هوجـاء  ممـن لم يفهم بعد حقيقة المجـازر التي تعرضوا لها تحت العلـم الذي أسـقطوه و الذي هو بمثابة صـليب معقـوف يؤشـر الى الهولوكوست الكوردي المأساوي، فهل المطلـوب من الكورد تقديس رمـوز ذلك الهولوكوست و جعل الأنفـال نشيدهم الوطني يبـدؤون به يومهم حتى ينـام مـثيري الشغب هـؤلاء ملء جفونهـم.
علـم كوردسـتان الذي يعـبر عن الكـورد أينما وجـدوا يرفرف اليـوم في جـزءٍ من الوطـن الكوردي، و لعـل أفضـل دواء للمشـوشـين عليه هو في تجاهلهـم، هذا التجاهـل الذي أما سـيكون دواءً ناجعـآ أو وسيلة للمـوت الرحيم من مـرض الغيـظ المزمـن الذي أصابهـم.

 24.12.2007

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين وقفة احتجاجية لاهالي الاسرى والمفقودين الذين ( يربو عددهم السبعمائة ) على اقل تقدير وذلك بمدينة القامشلي يوم الخامس من نيسان / ابريل ، وبالرغم من التعتيم الإعلامي من جانب سلطة الامر الواقع لقسد ، وب ي د ، وامتناع وسائل اعلامها لتغطية الحدث الأهم في الفترة الأخيرة ، وبالرغم من علائم الحذر والخوف المخيمة على وجوه الأهالي…

كفاح محمود في ذكرى تأسيس الحزب الشيوعي العراقي في 31 آذار (مارس)، لا يعود الحديث عن حزب سياسي فحسب، بل عن واحدة من أعرق مدارس الوطنية العراقية وأكثرها تضحية ونبلًا، فثمة أحزاب تُعرف بما بلغت من سلطة، وأخرى تُعرف بما تركته في الضمير العام من أثر، والحزب الشيوعي العراقي من ذلك الطراز الذي خسر كثيرًا في حساب القوة، لكنه ربح…

نورالدين عمر بناءً على معرفتي بخفايا حزب العمال الكردستاني على الأقل أكثر من السيد عبدالباسط سيدا، أجد من الضروري توضيح وتصحيح بعض النقاط التي وردت في مقاله “حزب العمال في استراتيجية النظام الإيراني”، تفنيداً لبعض المغالطات التاريخية والسياسية. أولاً: جدلية العلاقة مع طهران.. تكتيك أم تبعية؟ كافة القوى الكردية المؤثرة، وفي مقدمتها الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، تمتلك…

د. محمود عباس ليس كل ما يُقال نقدًا هو نقد، وليس كل من يتحدث باسم الكورد ينتمي إلى قضيتهم، ما يجري اليوم ضد (ليلى زانا) ليس مجرد هجوم عابر، بل اختبار لوعي الشارع الكوردي، وبداية مسار خطير إن لم يُفهم في توقيته ومعناه. في الآونة الأخيرة، وبعدما تخطت القضية الكوردية حدود الجغرافيا التي فُرضت عليها تاريخيًا، وبدأت تفرض حضورها في…