لماذا المرجعية الآن … ؟!

عمران السيد

يقول المثل الشعبي (لكل وقتٍ آذانهُ) وكذلك هي حال الحركات السياسية فلكل مرحلةٍ مقتضياتها واستحقاقاتها  وتتطلب تلك الاستحقاقات أدوات ومفاهيم معينة تناسب الممارسة السياسية لتلك المرحلة.

وإذا نحن اتفقنا على أن الساحة الكوردية اليوم تعيشُ حالةَ احتقان و اضطراب كبيرين رداَ على الهجمات والضغوطات المتنوعة التي تتعرض لها من جانب السلطة أو من جانب الاتجاهات القوموية خارج السلطة من ناحيةٍ ثانية فكان لزاماً على الحركة الكوردية من ممارسة سياسية معينة تحقق أو لتُثبتَ موقعها القديم و هي لعبُ دورَ بيضةَ قبان بين السلطة الأمنية من جهة والشارع الكوردي من جهةٍ ثانية وتحميها في ذات الوقت من طفراتٍ شعبية قد تكونُ قريبةً جداً .

 

في هذا كان لا بد من البحثِ عن شعارٍ كبير يستطيعُ استقطاب ما يمكن استقطابه من الشارع الكوردي و بنفس الوقت يكون تحقيقهُ صعباً إن لم يكن مستحيلاً كأن يكون حُلماً قومياً مجرداً لا تستطيع المرحلة أن تستوعبها فتبقى بذلك عائمةً في سماء الكورد دونَ أن تلامس أرض الواقع يوماً.
في سياق ذلك لم يكن أفضل من استحضار مفهوم قديم –جديد ألا وهي “المرجعية”.
ولما كانت الحركة تتوجس دائماً من بروز تياراتٌ أو اتجاهات تجسد إرادة الجماهير بشكلٍ حر وتعطي لمطالب الجماهير بعداً تغييرياً فكانت المرجعية هي السقف السياسي المحدد للعمل في الساحة من خلال أعطائها طابعاً شرعياً تشكلُ مَظلةً تحرم على غيرها من تجاوزها وبنفس الوقت يمدها بظلٍ مريح تستطيع أن تنعم بقيلٍ من الراحة.
والمرجعية بهذا الشكل من حيثُ هي بالأساس مصطلحٌ ديني تعني أكثرُ ما تعنيه عند أخواننا الشيعة خليفةُ الله على الأرض تمتلكُ ناصيةَ الحقيقة تََسأل ولا تُسأل, تقول ولا تسمع، تعطي ولا تأخذ، تأمر ولا تؤمر  ولما كانت المرجعية هكذا فهي تؤدي بشكلٍ أساس وظيفةَ القضاء على تمايز فصائل الحركة وتنوع أساليب نضالها بتنوع عوائق المشروع القومي و الديمقراطي.
أن تلك الرؤيةَ التشاؤمية لها ما تبررها فمن ناحية طرح مثل هذا الشعار تتطلبُ درجةً من التقارب السياسي بين فصائل الحركة من ناحية تحديدها للخيارات الوطنية وتكون النضال في مرحلةِ ما يسمى بالمد الجماهيريٍ عندها قد يكون مبرراً وتجنباً لتشتت الرؤى تشكيل إرادة جمعية تحدد الأولويات أما في مثل الحالة التي نحن فيها فأي حالة جمعية تكون بالمساومة على الخيارات وبنتيجته سنصل- هذا إن وصلنا- إلى مؤسسة وهمية وظيفتها تقليم أظافر أي عمل .
وإذا كان الحالُ هكذا فلماذا كل هذه الضوضاء على تأخر تشكيل المرجعية وتحميل كل طرف المسؤولية على الطرف الآخر علماً بأن معظم الفصائل إن لم نقل كلها يضعونَ المانع تلو المانع في طريق تشكيلها فبقائها شعاراَ تخدم الحركة للاستفادة من الوقت الضروري لتجاوز هذه المرحلة و تحميل مطالب المرحلة إلى شعارٍ مستقبلي فبقاء هذا الشعار قائماً مع وقف التنفيذ يفيد معظم الاتجاهات العاملة في الشارع الكوردي وخاصةً تلك الحالة المميزة دائماً بموقفها فرغم كل هذه الاتهامات والضوضاء لم تلتفت ولم توافق على هذا المفهوم فهذه الثقة الموجودة عند هؤلاء”الرفاق” هي مكان احترام وكذلك يُحترم وجهة نظرهم في أنهم ليسوا بحاجةٍ إلى مثل هذه الشعارات من أجل السيطرة على جمهورهم لأنه ومنذ بدء نشوئهم أسسوا لعقلية بطريركية عتيدة لا يجرؤ أي كائن من تجاوز تلك الإرادة الأبوية المقدسة والتي أصبحت بمثابة أو هي المرجعية وهل تحتاجُ مرجعيةٌ ما إلى مرجعيةٍ أخرى ..؟
وكأن لسان حالهم يقول
“قوتكم في فسادكم أخافُ أن أصلحَ بينكم فتضعفون “.
—–
* عن جريدة المستقبل (جريدة غير دورية تعني بالفكر الحر يصدره تيار المستقبل الكردي – العدد (12) 2007م)

لقراءة العدد الجديد من جريدة المستقل, انقر هنا  pesheroj_12

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. محمود عباس مؤتمرات التفكير بدل مؤتمرات الوحدة الشكلية. ليست مشكلة الحراك الكوردستاني اليوم في غياب شعار الوحدة، بل في الطريقة التي جرى بها فهم هذا الشعار وممارسته. فالوحدة الكوردية كانت، وما تزال، من أكثر الشعارات حضورًا في الخطاب السياسي الكوردي، غير أن كثرة الحديث عنها لم تُنتج، في أغلب الأحيان، واقعًا سياسيًا موحدًا بقدر ما أنتجت سلسلة متكررة من…

صلاح بدرالدين نشرت صحيفة – جمهوريت – التركية مؤخرا عن ” لقاء كل من مظلوم عبدي ، والهام احمد بعبدالله اوجلان في ايمرلي بشهر آذار المنصرم ” ، في وقت تجري تحضيرات للقاء جديد بعد ، تلميحات وتصريحات سابقة عن علاقات حسنة بين مسؤولي جماعات – ب ك ك – السورية من جهة والسلطات التركية من الجهة الأخرى ، ومنذ…

حاوره: عمر كوجري قال محمد إسماعيل سكرتير الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا، ورئيس المجلس الوطني الكوردي في سوريا إن فشل كونفرانس «وحدة الموقف والكلمة الكوردية» هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية عميقة. من أبرز هذه الأسباب غياب الإرادة السياسية الحقيقية وروح الشراكة لدى بعض الأطراف، حيث بقيت الحسابات الحزبية الضيقة متقدمة على المصلحة القومية العامة، فقد تمّ الدفع بما يسمّى…

اكرم حسين تشكل القضية الكردية في سوريا أحد أبرز التحديات السياسية والاجتماعية التي تواجه سوريا الحديثة، وهي قضية متجذرة في التاريخ وتعكس تعقيدات التركيبة الديمغرافية السورية. فالقضية الكردية ليست مسألة أقلية عرقية تبحث عن الاعتراف بهويتها ، بل هي قضية وطنية بامتياز تمس نسيج المجتمع السوري وتؤثر على مستقبل الدولة السورية ككل. إن فهم البعد الوطني لهذه القضية يتطلب تحليلا…