المتلاعبون بالعقول

إبراهيم خليل

كنت قد قررت منذ البداية ألا أخوض لعبة  (الرد و الرد على الرد) على المقالات التي تنشر هنا و هناك بسبب تحول هذا النموذج من الكتابة على يد بعض المتثقفين إلى لعبة قمار أدمنوا ممارستها فحولوا بذلك مناقشة موضوع ما يستحق دراسة جوانبه و تبيان أهدافه و دوافعه و الاستفادة من تعدد الآراء حوله إلى مهزلة عافتها نفوس المتتبعين لها من مثقفين و جماهير إلى حد الغثيان.

و لكن لفت نظري مؤخرا هذا السجال الدائر بين بعض الكتاب في موقع ( welate me  ) و بالأخص مقالة بعنوان (عذرا يا تقدمي… لكل زمن رجاله )، و اقر و اعترف بتميزها خاصة فيما يتعلق منها باعتراف كاتبها بالجانب اللاعقلاني الذي يدعوا إليه و من دون مواربة و هذه (شجاعة) منه يستحق عليها (الثناء).
لطالما كانت مشكلتنا نحن الكرد أن بعضا من أحزابنا و مثقفينا يفتقرون إلى الموضوعية و الشفافية و الوضوح في محاولات التعبير عن قناعاتهم و لطالما كانت الازدواجية في أطروحاتهم القومية و الوطنية هي شعار المرحلة بالنسبة لهم و قد تفننوا في عرض عضلاتهم و شعاراتهم أمام الجماهير البائسة و قد سبق أن أشرت إلى هذه المعضلة في مقالة سابقة تحت عنوان ( أزمة العقل) .

و لطالما كانت بعض هذه القوى تعمل و مع الأسف عن قصد أو عن (غير قصد) مع الجهات الشوفينية على هدر الطاقات الكردية في سوريا على غير موضعها من خلال ارتباطاتها مع أحزاب كردستانية و على مبدأ (محاربة تركيا حتى آخر كردي في سوريا).
و لطالما حاولت بعض الأطراف الأخرى (المتحالفة معها مؤخرا) من تشويه صورة القضية الكردية في سوريا من خلال إقدامها على التمسك بأيديولوجيات غريبة و تحت مسميات عديدة و بخطابات رنانة و مواقف لا مسئولة يتملصون منها مثل العادة إذا ما اقتضت حاجتهم ، لتتحمل بذلك الحركة الكردية بما فيها الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي و الشعب الكردي بمجمله وزر و تبعة نتائجها الكريهة و هذا هو بالضبط (الاستخفاف الحقيقي بالعقل الكردي) من قبل هؤلاء (القادة) (المشاغبين والمتهورين).


هنا سأقتبس هذه المقولة العلمية التي تعبر عن حال هؤلاء (إن التطلع لأسطورة ثورية يشتد لدى الناس و الشباب خاصة في فترة الأزمات و المحن ((و هذا هو زمننا الحاضر)) ذلك لان النفوس تتوزع ..

و التقاليد تتداعى فتفقد الشخصية وحدتها و تصبح اقرب إلى الانسياق و الانجراف مع الغوغاء و يمهد هذا التفتت الغوغائي للشخصية لبروز شخصيات تعمل على تحريك الشعور الغوغائي و تهييج عواطف الجماهير فيبرز (أشخاص) ما مستغلين حالة الطواعية النفسية و الاجتماعية (حالة الاحتقان) مستخدمين فصاحة خطابية للتأثير في الجماهير و توجيهها كما يريدون..

و هم (( قادة)) متعصبون و مغامرون سياسيون ..)
هكذا إذا ينظر إلينا هؤلاء القادة العصريون الجدد الذين يريدون من دمائنا أن تتحول إلى وقود مركباتهم للسير في (مرحلة عدم تفويت الفرصة في ظل الأجواء الإقليمية و الدولية ..!!) و التي يراهنون بحياة شبابنا على تطابقها مع أطروحاتهم الفوضوية لأنهم لم يروا بعد (النتائج التي حققتها السياسة الحكيمة و العقلانية).

نعم يريدون لهذا الزمن أن يكون زمن أبطال الكرتون و الاكشن بعد أن كان (زمنا وغدا) زمنا يحاولون فيه جعلنا قطيع من الغنم ينساق مع الرعاة المتحالفين مع الذئاب.
و لكن آن لهم أن يفهموا إن زمن الطفولة الكردية قصير و آن لهؤلاء أن يستوعبوا الدروس و العبر بأن القافلة تسير بالرغم من كل هذه الثرثرة الفضفاضة و ما يجري الآن من حوار و مواقف ارتفعت أصواتها كافية لتقول لهم كفى استهتارا بدماء أبنائنا و كفى سباقا نحو من يريق الدم الكردي أكثر من الآخر.
و اختم كلامي بسرد ما جرى في مناسبة إحياء الذكرى الثانية لمجزرة الثاني عشر من آذار التي أراد البعض أن يحولها إلى مزاد علني للمتاجرة بدماء الشهداء عندما صعد احد هؤلاء القادة المنصة و يخطب في الجماهير قائلا (إن هذه الذكرى ..

ذكرى الثامن من آذار المجيدة) ثم استدرك قائلا (عفوا ذكرى الثاني عشر من آذار ..) و للقارئ أن يفهم منها ما يشاء.

   2007-11-19

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

صلاح بدرالدين في شتاء عام ١٩٦٨ وبعد حضوري مؤتمر جمعية الطلبة الاكراد في أوروبا المنعقد في العاصمة اليوغسلافية ( سابقا ) بلغراد ممثلا ( للبارتي الديموقراطي الكردي اليساري – سابقا ) ، وعودتي عن طريق البر ( كمرحلة أولى ) بصحبة السكرتير الأسبق للحزب الديموقراطي الكردستاني الأستاذ – حبيب محمد كريم – الذي مثل حزبه بالمؤتمر والصديق الأستاذ – دارا…

كفاح محمود في منطقتنا مفارقة تُشبه الكوميديا السوداء: أنظمةٌ تُظهر براعةً مذهلة في فتح القنوات مع خصومها الخارجيين، وتُتقن لغة الصفقات حين يتعلق الأمر بالخارج… لكنها تتلعثم وتتصلّب وتُفرط في التعقيد عندما يصل الحديث إلى شعوبها ومكوّناتها، كأن المصالحة مع الآخر البعيد أسهل من التفاهم مع الشريك القريب، وكأن الدولة لا تُدار كمظلّة مواطنة، بل كحلبة لإدارة التناقضات وتأجيل الحلول….

شادي حاجي يُفترض أن يقوم النظام الدولي المعاصر على أسس قانونية وأخلاقية واضحة، أبرزها احترام سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، كما نصّت عليه مواثيق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان. غير أن الواقع العملي للعلاقات الدولية يكشف عن تناقض بنيوي بين هذه المبادئ المعلنة وبين آليات التطبيق الفعلي، حيث تتحكم اعتبارات القوة والمصلحة الجيوسياسية في صياغة المواقف الدولية. وتُعد القضية…

انا المواطن محمد امين شيخ عبدي المعروف بـ(( شيخ امين ))، والمقيم في دمشق، خريج سجون حافظ الاسد (( 100 شهر عرفي آب 1973 – تشرين الثاني 1981 ))، عضو المكتب السياسي للبارتي حتى آب 2011، وعضو هيئة رئاسة اعلان دمشق منذ عام 2007. اتقدم بطلبي ودعوتي هذه الى سيادة رئيس الجمهورية احمد الشرع: اولا:اطالب باقالة كل من السادة: اللواء…