القضية الكردية وحق تقرير المصير.. قراءة في منطق القوة والمصلحة في النظام الدولي

شادي حاجي 
يُفترض أن يقوم النظام الدولي المعاصر على أسس قانونية وأخلاقية واضحة، أبرزها احترام سيادة الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، كما نصّت عليه مواثيق الأمم المتحدة والعهدان الدوليان. غير أن الواقع العملي للعلاقات الدولية يكشف عن تناقض بنيوي بين هذه المبادئ المعلنة وبين آليات التطبيق الفعلي، حيث تتحكم اعتبارات القوة والمصلحة الجيوسياسية في صياغة المواقف الدولية.
وتُعد القضية الكردية من أكثر القضايا القومية التي تكشف هذا التناقض بوضوح، إذ يُحرم الشعب الكردي، رغم توفر الشروط القانونية والتاريخية، من حقه المشروع في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، نتيجة حسابات إقليمية ودولية تتقدم على العدالة والشرعية.
أولًا: منطق القوة في العلاقات الدولية وإقصاء الشعوب الضعيفة
تنطلق المقاربة الواقعية في العلاقات الدولية من افتراض غياب سلطة دولية عليا قادرة على فرض القانون بشكل عادل، ما يجعل ميزان القوة هو العامل الحاسم في تحديد السلوك الدولي. وضمن هذا الإطار، لا يُنظر إلى القانون الدولي بوصفه منظومة ملزمة بذاتها، بل كأداة سياسية تُستخدم عندما تخدم مصالح القوى الكبرى ويتم تجاهلها عندما تتعارض معها.
هذا المنطق يفسر الكيفية التي جرى بها التعامل مع حق تقرير المصير، حيث تحوّل من مبدأ قانوني عالمي إلى أداة انتقائية، يُمنح لبعض الشعوب ويُحجب عن أخرى، ليس بناءً على معايير قانونية، بل وفق اعتبارات استراتيجية بحتة. والشعب الكردي يمثل أحد أبرز ضحايا هذا النهج.
ثانيًا: ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي
شهد التاريخ الحديث أمثلة عديدة على تغليب القوة على الشرعية. فقد شُنّت حروب وتدخلات عسكرية خارج إطار القانون الدولي، دون أن تُحاسَب القوى المتورطة محاسبة حقيقية، في حين فُرضت عقوبات قاسية على دول وشعوب أضعف عند خرقها القواعد ذاتها.
هذه الازدواجية تظهر أيضًا في التعامل مع قضايا الاستقلال. فقد حظيت بعض الشعوب بدعم دولي صريح للاستقلال، بينما جرى تجاهل مطالب شعوب أخرى تملك الأسس القانونية نفسها. وهذا يؤكد أن الاعتراف الدولي ليس نتاجًا للعدالة أو القانون، بل قرارًا سياسيًا تحكمه موازين القوى.
ثالثًا: الشعب الكردي بين الجغرافيا السياسية وحق الدولة
1. الموقع الجيوسياسي كعبء سياسي
يعيش الشعب الكردي في واحدة من أكثر المناطق حساسية في الشرق الأوسط، وهي منطقة غنية بالموارد الطبيعية وتشكل عقدة توازنات إقليمية ودولية. ويتوزع الكرد على أربع دول، جميعها تعتبر أي مشروع دولة كردية تهديداً  مباشراً لبنيتها السياسية.
هذا الواقع جعل القضية الكردية رهينة ما يُسمى بـ”استقرار الدول القائمة”، حتى وإن كان هذا الاستقرار قائمًا على إنكار حقوق شعب كامل وحرمانه من أبسط حقوقه القومية.
2. حق تقرير المصير: شرعية قانونية وإنكار سياسي
من منظور القانون الدولي، لا يوجد أي غموض حول حق الشعب الكردي في تقرير مصيره. فالشعب الكردي يمتلك أرضاً تاريخية، وهوية قومية واضحة، وإرادة سياسية عبّر عنها مراراً بوسائل سلمية وديمقراطية.
ومع ذلك، قوبلت هذه الإرادة بالتجاهل، كما حدث في استفتاء إقليم كردستان العراق عام 2017، حيث لم يكن الرفض الدولي نابعاً من خلل قانوني، بل من خشية القوى الدولية من إعادة رسم الخرائط السياسية بما يتعارض مع مصالحها.
3. التحالفات الظرفية وخيانة المبادئ
لطالما كان الكرد شركاء فاعلين في محاربة الإرهاب وفي حماية الاستقرار الإقليمي، وقدّمت القوى الكردية تضحيات جسيمة خدمةً لأجندات دولية. إلا أن هذه الشراكات بقيت مؤقتة وهشة، وسرعان ما تخلّت القوى الكبرى عن دعم الكرد بمجرد تغير أولوياتها، ما يعكس الطبيعة البراغماتية للعلاقات الدولية وغياب الالتزام الأخلاقي تجاه حقوق الشعوب.
رابعاً : حدود القانون الدولي وإشكالية العدالة
لا تكمن المشكلة في غياب النصوص القانونية، بل في غياب الإرادة السياسية لتطبيقها. فالقانون الدولي يفتقر إلى آليات تنفيذ مستقلة، ويظل خاضعاً لهيمنة الدول الكبرى داخل المؤسسات الدولية. ونتيجة لذلك، تبقى الشعوب التي لا تمتلك أدوات الضغط والقوة، مثل الشعب الكردي، عرضة للتهميش، مهما كانت عدالة قضيتها.
وأخيراً وليس آخراً تُظهر القضية الكردية بجلاء أن النظام الدولي القائم لا يزال أسير منطق القوة والمصلحة، وأن المبادئ القانونية تُستخدم بانتقائية تخدم الأقوياء على حساب الشعوب المظلومة. إن حرمان الشعب الكردي من حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته لا يعكس ضعفاً في شرعية هذا الحق، بل يكشف خللاً عميقاً في بنية النظام الدولي ذاته.
وإن أي حل عادل ومستدام للقضية الكردية يقتضي الاعتراف الصريح بحق الشعب الكردي في دولته المستقلة، والانتقال من الخطاب المبدئي إلى ممارسة دولية حقيقية تحترم حقوق الشعوب بعيداً عن حسابات القوة والهيمنة.
وإلى مستقبل أفضل

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

جمعة عكاش Jomaa Akkash اليوم سنغني وسنطلق الألعاب النارية ونلبس من أجمل ملابسنا وسنعقد حلقات الدبكة الكردية والعربية والسريانية وكاننا في “الجنة” هكذا نحن شعوب القامشلي وزالين وقامشلو نحب الحياة، لكن في الحقيقة واقع مدينتنا – عاصمتنا كارثي للغاية. إذا كانت دمشق أسوء مدينة للعيش في العالم…

محمود أوسو نحن لا نكتب عن التاريخ لنتفاخر بالماضي، ولا عن الدين لنكفر أحداً، ولا عن السياسة لنشتم قومية أو نقدس قومية. نكتب لأن السكوت خيانة، والحوار واجب. من يظن أننا عندما نكتب عن حدث تاريخي أو ديني أو اجتماعي، هدفنا إهانة دين أو قومية، فهو لم يفهم حرفاً مما نكتب، ولم يفهم معنى أن تكون إنساناً. نحن نحترم…

أ. د. سربست نبي للقطيع الدوغمائي، الذي اعتاد على الزعيق والصراخ وشتم كل ناقد لأهامه. تأملوا جيداً الفقرات التالية من مواد القانون الذي صادق عليه البرلمان التركي بمن فيه الممثلين السياسيين ل pkk, وأصدره رجب طيب أردوغان تالياً. هذه الفقرات والمواد من نص القانون الذي قبل به أوجلان وقيادة قنديل وممثليهم في البرلمان التركي ووقعوا عليها. فلا مجال بعد الآن…

عاكف حسن هناك شيء يثير الغضب حقاً في ثقافتنا العامة: أن يصبح الكاتب، لا بسبب ضعف ما يكتب، بل بسبب رأي عبّر عنه في منشور أو تصريح، هدفاً للشتائم والتجريح والهجوم. وكأن الاختلاف في الرأي أصبح جريمة، وكأن الوطنية لا تُثبت إلا بالصراخ، والتخوين، ورمي الآخرين بالحجارة الكلامية. وأنا أفكر في هذا كله، أتذكر الكاتب والروائي الكبير جان دوست، ابن…