لبنان والتوافق المستحيل

  الدكتور عبد الحكيم بشار

رغم أن لا مستحيل في السياسة والواقع ، وكل شيء ممكن في العمل السياسي والذي يتضمن حالة حراك مستمرة ومتغايرة إلى حد التناقض في المواقف والتحالف وتبادل المواقع والاستراتيجيات ، وقد حصلت تغيرات في المنطقة ، وتبدلت مواقع كانت حتى بالأمس القريب شبه مستحيلة ، بل قريبة من الخيال (استلام السيد جلال الطالباني رئاسة جمهورية العراق) ولكن الشيء الذي يبدو مستحيلاً في لبنان هو التوافق على رئيس الجمهورية اللبنانية المقبل حالياً وذلك بسبب التناقض الحاد والجذري في المواقف حول قضايا باتت جوهرية ومصيرية لأطراف الخلاف بل النزاع في لبنان.
فقوى الرابع عشر من آذار (قوى الحكومة والأغلبية البرلمانية الحالية) ترى أن الرئيس اللبناني المقبل يجب أن يلتزم بالدرجة الأولى بقرارات الشرعية الدولية وخاصة القرارين (1559-1701) وبشكل أكثر خصوصية بالقرار (1559) والقاضي بالدرجة الأولى بقبول المحكمة الدولية باغتيال الحريري ونزع سلاح المقاومة ( أي حزب الله ).
أما الطرف الآخر خاصة حزب الله فإنه قد يقبل بأي شيء في لبنان عدا قبول القرار (1559) فقبوله لهذا القرار يعني انتهاءه عسكرياً وبالتالي فقدانه لدوره المهم والاستراتيجي في لبنان ، بل إن البعض يذهب إلى أبعد من ذلك حيث يوجه أصابع الاتهام لحزب الله بأنه متورط بهذا الشكل أو ذاك في عمليات الاغتيالات السياسية في لبنان للعديد من قادة الأغلبية ( خاصة على صعيد تأمين المأوى أو الملجأ أو العمليات الاستخباراتية واللوجستية) ولا يوجد حل وسط بين قبول ورفض القرار ( 1559) ولا توجد إمكانية تجزئته والتوافق حوله ، فإما الرفض أو القبول ، وهذا يجعل إمكانية التوافق والبحث عن حلول وسط مستحيلة في لبنان على الصعيد الداخلي ، وإذا ما أضيفت إليها العوامل الخارجية والإقليمية والدولية والتي أيضاً تقتسم إلى معسكرين متناقضين حول القرار (1559) بين القبول والعمل على تطبيقه ، وبين الرفض المطلق له ، لذا لا يمكن في لبنان العثور على شخص يمكن أن يمثل التوافق لأن القضية الجوهرية المختلف عليها يستحيل التوافق حولها وبالتالي فإن لبنان متجه بعد (23) من الشهر الجاري إلى مرحلة جديدة ؛ مرحلة التقسيم غير المعلن رسمياً وغير المقرر دستورياً (التقسيم على أرض الواقع) حيث ستعمل الأغلبية البرلمانية إلى انتخاب رئيس وفق الصيغة الثانية من الدستورحيث تنص الأولى إلى انتخاب رئيس بأغلبية ثلثي أعضاء البرلمان وفي حال فشل تحقيق ذلك ففي الجلسة الثانية بالقاعدة (نصف +1  51% من الحضور) مع اختلاف تفسير كل طرف لهذه القواعد والآليات الدستورية حسب مصلحته ، ولكن المؤكد أن الأغلبية ستنتخب رئيساً يمثل وجهة نظرها وخاصة العمل على تطبيق القرارين (1559-1701) وسترفض جبهة المعارضة وخاصة حزب الله العمل تحت إمرة وسيادة هذا الرئيس وستعتبره غير شرعي وغير دستوري وبالتالي كل القرارات والمراسيم الصادرة فاقدة للشرعية حسب مفهوم حزب الله ، ونفس الشيء بالنسبة للحكومة الجديدة التي ستشكل بعد انتخاب رئيس الجمهورية ، وقد يكتفي حزب الله بهذا الحد (رفض قبول الرئيس المنتخب من قبل الأغلبية ورفض حكومته) وبالتالي رفض الانصياع لأي من قراراته والتصرف بشكل مستقل ومنعزل ، بل وقد يذهب إلى أبعد من ذلك بالاتفاق مع بعض المسيحيين والسنة لتشكيل حكومة خاصة به (يسميها حكومة إنقاذ وطني أو حكومة انتقالية) وهذا السلوك الأخير يتوقف على موقف الرئيس المنتخب والحكومة المنبثقة بعد الاستحقاق الرئاسي من المحكمة الدولية وسلاح حزب الله ومدى رغبته وتصميمه على تحقيقها ، وسيبقى الوضع في لبنان يعيش مرحلة حرب باردة شديدة ، وحرب إعلامية ساخنة واغتيالات ، وتبقى الساحة اللبنانية مفتوحة على كل الاحتمالات حتى تحصل تغيرات إقليمية مهمة تؤثر في الساحة اللبنانية بهذا الاتجاه أو ذاك ، وإلى حين تحقيق ذلك يبقى التوافق كلمة ومعنى مستحيل المنال في لبنان وفق المعطيات الحالية داخلياً وإقليمياً ودولياً.


20/11/2007

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثالثة: من القرار 688 إلى المبادرة الأممية… هل يمتلك المجتمع الدولي أدوات حماية الاستقرار؟ عندما نتحدث عن مبادرة أممية لحماية استقرار إقليم كوردستان، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل توجد سابقة دولية يمكن الاستناد إليها؟ الإجابة تقودنا إلى قرار مجلس الأمن رقم 688 لعام 1991، الذي جاء في أعقاب أحداث مأساوية شهدها العراق، ودعا إلى…

د. عدنان بوزان لا تكمن المعضلة الكوردية في الحدود وحدها، بل في النظام السياسي الذي تشكل في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وفي الطريقة التي جرى بها توزيع المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة من دون أن تحل بصورة عادلة مسألة الشعوب والهويات القومية التي كانت تعيش فيها. ومن هنا، فإن اختزال القضية الكوردية في مجرد المطالبة بحقوق ثقافية أو إدارية داخل…

د . مرشد اليوسف تعيش محافظة الحسكة مرحلة دقيقة وحساسة تتطلب أعلى درجات المسؤولية السياسية والاجتماعية والأمنية، ولا سيما في ظل تصاعد بعض الخطابات التحريضية ووقوع حوادث عنف وعمليات قتل تستهدف أفراداً على خلفيات قومية أو سياسية. إن استمرار هذه الظواهر، أياً كانت الجهات التي تقف وراءها، يشكل تهديداً مباشراً للسلم الأهلي، ويفتح الباب أمام دورة خطيرة من الثأر…

حسن قاسم تمر شعوب منطقتنا بمرحلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتتراكم آثار الحروب والانقسامات التي أنهكت المجتمعات وأضعفت قدرتها على بناء مستقبل أكثر أمناً واستقراراً. وفي ظل هذه الظروف، لم يعد السؤال المطروح هو فقط: من انتصر ومن خسر؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تجاوز هذه المرحلة ومواجهة تحدياتها على مختلف الصعد؟ برأيي، يبدأ الطريق…