الكورد وعقلانية الجيران

هوزان هوزان 

إن العالم بأسره من دول ومجتمعات وأفراد و مفكرين وكتاب… يتحدثون عن القضايا الرئيسية لشعوب العالم  كالديمقراطية و آثارها , وحقوق الإنسان , و حق الشعوب في تقرير مصيرها … ومدى إمكانية تحقيق هذه الحقوق لدى شعوب المعمورة في إطار مفاهيم العقلانية , والعدالة , و التسامح و قبول الأخر في شراكات لبناء الأمم  والأوطان وأينما كان , مع إظهار وتمسك بالأسس السليمة لبناء المجتمعات الصحية الصحيحة, وحيث العقلانية والعدالة , والتعددية, و بشتى أشكالها ومستوياتها تكون شأناً طبيعياً.
وبالانتقال إلى منطقتنا, والحديث عن الكورد فالأمر مختلف و أصحاب مراكز القرار والأفراد (ذوي العقلية العفنة) ينسون المبادئ المذكورة أعلاها , ويضربون عرض الحائط كل المفاهيم ويبتعدون عن العقلانية والعدالة, ولا ينظرون إلى الكورد و قضيتهم إلا بالتبسيطية والسطحية و بأنها قضية غير طبيعية وغير شرعية, و كأن الكورد ليسوا من سكان الأرض.


وأمر هؤلاء متناقض و غريب ومدهش مع الحقائق والمبادئ المعروفة لدى المجتمعات من أوضاع مشابهة لهذه الأوضاع , وكأنهم في القضية الكوردية يحاولون تركيب قرني غزال في راس نسر, أو يطبقون مبادئ ألف سياسة, ليس لشيء , فقط من اجل عدم ذكر الكورد , وهذا ما جرى في الماضي للكورد وهو ما يجري  في كوردستان  تركيا هذه الأيام .

 
وهذه العقلية العفنة وما ترسمه من صور مشوهة للواقع والتاريخ, لا تدرك أن القضاء على خصوصيات الآخرين غير ممكنة, وهو ليس الحل بل هو الضعف بذاته, و أما الإفصاح عنها و التقرب منها وبالهدوء فهي القوة العظمى.


وإن منطقتنا, و بمجتمعاتها المتخلفة, وبأوضاعها الحالية تعاني الضعف أمام العالم المتقدم بسبب هذه العقلية والنمطية من التفكير, فالحراك و العمل على بناء المجتمعات مدنيا وديمقراطيا هي الجانب الآخر للقوة, ولان قوة الجميع تكمن بالديمقراطية, و الديمقراطية هي سمة التقدم وهي لا تنهض إلا في المجتمعات المدنية وبجهود كل أبنائها وأطيافها.


إذا لماذا هذا الصمت عن الحقائق وخصوصاً الحقيقة الكوردية منها, والجدال والتعامل معها بألف سياسة, وكلها في النهاية دون جدوى أمام الحقائق الساطعة, ألم يقال: بأن التجربة والمعاناة تمنحنا معرفة حقيقية, وان الوقاية خير من العلاج.


وحيث يعلم الجميع بان العالم سياسياً, لا يبنى إلا منحرفا , ولا ينهض إلا مائلا, وهو في الأفق السياسي ما هو إلا  تشكيلات لفظية , مما يرجح هذه الأوضاع بان كل  المجتمعات العربية والكوردية والتركية والفارسية… مجتمعات غير رائدة لعدم  وجود حق الاختلاف, أي المعادلة فيها هي العيش واللون الواحد, وبغياب الألوان الأخرى, وهذا يعني عدم  وجود قانون الحياة (الحضارة الحديثة).


وبالنتيجة لا يمكن تعريف هذه المجتمعات , بأنها مجتمعات التعايش المتغاير العقلاني, بل هي مجتمعات الموت المتواصل تحت عنوان السياسة, والتي هي فن القناع وفن التغييب والحجب.


وكما أن العقلانية و مسالة النجاح ليست هي إخضاع الكورد أو أي فئة أخرى لمعيار أيديولوجي معين, بل ترك الحرية لهم في ممارسة السياسة وفقا لما تملي عليهم قناعا تهم إذا كنا حقا نحرص على تقدم وبناء مجتمعاتنا.

وفي مستوى حوار لا عداء فيه وضمن معرفة ثوابت  الحق من الباطل و الخطأ من الصواب والصدق من الكذب ..


وهذا يفترض عقلانيا بأن تكون هناك حرية (لا نريد شرطة للأفكار) لان اكتشاف الجميل في الحياة والعمل لا يأتي إلا إذا كنت قادرا على رؤية القبيح ونقده.

وحيث مجال البحث والتحليل في فكر مجتمعاتنا ما زال محدوداً لأن هناك محرمات ومكبوتات في ميدان السياسة والفكر, كالقضية الكوردية وغيرها الكثير الكثير, وحيث من الواجب الحديث عن الحقائق وبيان الصواب من الخطأ والطاغي من المسحوق.

وبان ليس للفكر وللفن  وظيفة محددة..

وعلى الجميع عدم الخضوع والتبعية والاتجار  بنقل الحقيقة, وفي إطار الثقافة الصحيحة لا ثقافة نعم نعم أو لا  لا.


إن الكورد جزء من النسيج و المحيط  وهم جزء من المشكلات وجانب من الحلول ولهم من الأفكار والخصوصيات وكما لهم حق الحياة, و مهما حاول الجميع أن يفهم انه ليس لهم هذا الحق, وبان هناك ابيض فقط في الحياة أو اسود فقط ,فهذه ليست العقلانية ولا يمكن تصوير الحياة من خلال اللون الواحد (اختلال التوازن الطبيعي), لان جميع الألوان موجودة , والإيمان بالأبيض دون غيره أو بالأحمر (العقلية العفنة) لا تعني استمرارية الحياة وتقدمها وفق أسس صحيحة وصحية وبهمة الجميع, بعيد عن الأمراض المزمنة.

لان الواقع والعقلانية أيضاً يتطلب حضور مجموع الشعوب, وثقافات المنطقة , و بشكل خلاق  وهذا ما يجلب سياسة عظيمة للواقع وللمنطقة .

ولأن عندها السياسة  تستند إلى ثقافة عظيمة وفي بعدها الإنساني, وخلاف ذلك فلا تكون المنطقة إلا تراباً.


أخيراً لن تكون هذه المهمة سهلة إلا في إطار العقلانية , ولا أتمنى البحث في رائحة الكورد فقط , بل عليكم البحث في القضية الكوردية ذاتها وبالعقلانية, ومن قبل المثقفين العرب والترك والفرس والكورد, ووضع الأسس السليمة لبناء الشراكة العادلة بين شعوب المنطقة .

ولا نتمنى أن يكون الجميع من اجل السياسة بل السياسة هي من اجل الجميع , و بعيداً عن القواعد الثقافية الخرافية والطغيان , وعن الأهداف الضخمة ,لان الأهداف الضخمة تتحول, حين تبقى ألفاظا, إلى مهازل ضخمة.

ولا نريد أن يكون دورنا هو انتظار الموت وبالسؤال :

متى يأتي  دورنا ؟ 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالجبار شاهين أحياناًعندما ننظر إلى واقعنا السياسي اليوم يصعب تجاهل شعور متراكم بأن الامور لم تعد مجرد اختلافات سياسية عادية. هناك شيء أعمق تشكل مع الوقت نوع من الانقسام الذي تسلل إلى طريقة التفكير نفسها وليس فقط إلى المواقف. كثير من الناس خاصة الاجيال التي نشأت في ظل هذا المشهد أصبحوا يعرفون انفسهم أولا من خلال الانتماء السياسي قبل…

عمر إبراهيم في زمن الانقسامات الحادة والأزمات المتشابكة التي تعصف بسوريا، جاء مؤتمر وحدة الصف والموقف الكردي في روج آفا في قامشلو حدثاً سياسياً مهماً أعاد الأمل بإمكانية تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة من العمل المشترك. وقد أتى انعقاد المؤتمر في مرحلة كانت سوريا تعيش فيها حالة من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتصاعد موجات العنف وعدم الاستقرار، ولا سيما…

حسن قاسم يتردد في الآونة الأخيرة الحديث عن تشكيل مرجعية سياسية للكورد في سوريا، وهي فكرة تستحق الاهتمام والدعم إذا ما جرى التعامل معها بجدية ومسؤولية وطنية، لأن الشعب الكوردي يعيش منذ سنوات حالة من التشتت السياسي وخيبة الأمل نتيجة فشل معظم المشاريع والمحاولات السابقة، بدءاً من الاتفاقات البينية، مروراً بالمبادرات المختلفة، وانتهاءً بكونفرانس نيسان الذي لم يحقق ما كان…

اكرم حسين   عامٌ مضى على كونفراس وحدة الصف والموقف الكردي، كاشفاً بامتياز حجم التحديات التي تعترض العمل القومي الكردي، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة الملحة إلى مشروع وطني كردي جامع يتجاوز الحسابات الضيقة ويؤسس لمرحلة جديدة من الفعل السياسي المسؤول. لقد قيل الكثير في نقد الكونفراس ، وربما كان في بعض هذا النقد جانب من الحقيقة، لكن الإشكالية…