مشكلة الأغلبية في العراق!

كفاح محمود
قبل أكثر من عشر سنوات تداولت الأوساط السياسية الشيعية موضوع الأغلبية في العراق وطرحت مجموعة أفكار أو رسائل مفادها يتطابق مع فكرة الأخ الأكبر والراعي الأبوي لبقية المكونات، بل ذهب بعض المتشددين إلى أن المكون الأكبر يحق له الرئاسات الثلاث، وما منح لهم ويقصد المكونين السني والكردي فهو (كرمٌ) سياسي لتجميل مشهد الحكم، ورغم أن تلك الأفكار لم تجد بيئة صالحة لتطبيقها ولا صدى بين الناس حتى في أوساط المجتمع الشيعي إلا أنها بقيت تراود كثيراً من الساسة والنواب المتشددين والمدعومين من فصائلَ مسلحة تتحدث دائماً نيابة عن كل العراق في بياناتها، خاصة بعد انسحاب التيار الصدري (الفائز الأول) من العملية السياسية وتركه 72 كرسياً في مجلس النواب ليستحوذ عليها الإطار التنسيقي (الخاسر الكبير) الذي هُزم في انتخابات 2021، حيث عادت مرة أخرى نغمة الأغلبية وبتكتيكات جديدة استخدمت فيها كثيرٌ من ممارسات النظام السابق في شقّ وتضعيف الأحزاب القوية لدى المكونين الكردي والسني، وصنع شخصيات وأحزاب كارتونية كخطوة أولى في إضعافهما للوصول الى تطبيق فرضية الأغلبية الشيعية بتحالفات تجميلية على غرار الجبهة الوطنية ابنة حقبة النظام السابق.
إن طبيعة تكوين العراق التي أشار اليها الملك فيصل الأول حينما توج ملكا على العراق في وصفه لمكونات مملكته قائلا: (لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية، خالية من أي فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة..) وقد فشلت كل الأنظمة السياسية المتعاقبة طيلة قرن من الزمن في بلورة مفهوم جامع للمواطنة وعابر للأديان والاعراق، لا تسمح بقيام نظام أغلبية على شاكلة ما تطرحه بعض القوى المتطرفة، حيث دفع العراقيون ثمنا باهضا بسبب تسلط ما يسمى بالأغلبية القومية تارة او الدينية المذهبية تارة أخرى، حتى وإن كانت من الناحية العددية تتفوق أو تتجاوز على المكونات الأخرى، فالعراق يتكون وواقع حاله منذ تأسيسه من الناحية الدينية بأكثرية عددية مسلمة شيعية سنية، يعقبها المسيحيون والإيزيديون والصابئة واليهود، ينتمون في أصولهم وقومياتهم إلى العرب والكرد وبقية المكونات الأخرى من الكلدان والتركمان والسريان والأشوريين والأرمن، حيث أظهرت السنوات الماضية ونتائج الانتخابات العامة اصطفافات واضحة جدا تكثفت فيها ثلاث تكتلات مذهبية وقومية رئيسية هي: القوى الشيعية والسنية والكردستانية، وهذه هي حقيقة المكونات الرئيسية للبلاد سياسيا وجغرافيا؛ الشيعية التي تتوزع جغرافياً جزء في العاصمة بغداد وغالبية في الجنوب والفرات الأوسط، والسنية جزء في العاصمة واغلبية في الغرب، وبعض من الشمال والشرق، والكرد جزء في بغداد واغلبية في كوردستان مع بعض من الغرب والشرق، لتكون اقاليماً جغرافية وتاريخية متناسقة ومتجانسة، تتوحد جميعها حول عاصمة تاريخية لا تقبل ثقافتها إلا أن تكون ملكاً لكل المكونات والأديان والمذاهب، تلك هي بغداد التي تتقاسم فيها اليوم المكونات الرئيسية مواقعها الاتحادية في السلطات الثلاث بطواقم مترهلة ومتداخلة بغياب إعلان الفيدراليتين الأخريين في كل من الجنوب والفرات الأوسط والغرب مع التلكؤ في حل مسألة المناطق المتداخلة بين إقليم كوردستان ومحافظات نينوى وديالى وصلاح الدين.
وللأسف كما ذكرنا فشلت كل الأنظمة التي حكمت العراق منذ تأسيسه كمملكة في بلورة مفهوم المواطنة، كما فشلت في إيجاد حلول ادارية وسياسية لإشكالية المكونات في مجتمع هذه الدولة وتركها مهملة ومهمشة، مما أدى الى نشوء صراعات واحتراب، حيث لم يك حكامها عقلاء الى الدرجة التي يدركوا فيها بلد متنوع المكونات، لكي يؤسسوا بموجبه دولتهم العتيدة، التي تآكلت بسبب الحروب البينية او الخارجية حتى انهارت وتم احتلالها وتغيير نظامها بالقوة، مما أتاح  فرصة لإعادة بناء دولة عصرية حديثة بدستور دائم يضمن حقوق كل المكونات في دولة اتحادية فيدرالية ديمقراطية تعددية، لكن للأسف تم اهمال الدستور بعد سنوات قليلة بتغول قوى مذهبية انتابها شعور العظمة والغرور على خلفية افتراض المكون الأكبر، فأغرتهم السلطة والمال والنزعة المذهبية المدعومة خارجياً حيث بدأوا بمركزة الدولة ومنع قيام فيدراليات بادعاء انها ستقسم البلاد وتنهي وجودها، متهمين أي دعوة للفيدرالية بالانفصالية مستخدمين القمع والإرهاب في قمعها.
واليوم تطرح وسائل دعاياتهم مفهوم الأغلبية الطائفية التي تحاول استنساخ سلوكيات ونهج الأنظمة السابقة في إذابة المكونات الأخرى في بوتقة الأغلبية، وبدلاً من الركون الى ارقى النظم الإدارية والسياسية في العالم ألا وهو النظام الفيدرالي وتحويل العراق الى ثلاث فيدراليات جغرافية كما أراد له الله وطبيعة تكوينات مجتمعاته في غرب البلاد وفي الفرات الأوسط والجنوب وفي إقليم كوردستان، كثفوا جهودهم وما في أيديهم من سلطة ومال على إفشال النظام الديمقراطي والفيدرالي بإنشائهم دولة عميقة وأذرع مسلحة وفتاوى دينية وشعارات مخدرة تسوق البلاد إلى دوامة الحروب والاحتراب، حيث غدت البلاد خلال عقدين من الزمان واحدة من افشل النظم السياسية وأكثرها فسادا وارهابا وتخلفا قياسا مع امكانياتها وثرواتها وتنوع مكوناتها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* قرأنا في تاريخ ثورات العالم أن الشعوب المظلومة قد تتعثر، لكنها لا تستسلم. لقد نهضت مراراً وتكراراً وانتفضت ضد الديكتاتورية والاستبداد؛ لأنها آمنت بهدفها. الحرية هي المثل الأعلى الذي تصمد الشعوب من أجله، وتكسر الطرق المسدودة بأمل الانتصار. والشعب الإيراني ليس استثناءً من هذه القاعدة؛ فهو شعب يؤمن بأن القيود ستتحطم يوماً ما وأن الحرية ستتحقق. ورغم…

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…