دهوك بين كارثتيْها: المائيَّة «في سيولها» والناريَّة «في حرائقها»

إبراهيم محمود
العنوان لا صلة له بالأول من نيسان ” أي كذبة نيسان ” إنما واقعة كارثية ألمَّتْ بدهوك في اليوم الأول من نيسان وقبل إشراقة صباحه المعهود، صباح الاثنين ” بين الثالثة والرابعة فجراً “. كارثة نارية رهيبة أتت على مساحة واسعة تحمل اسم سوق(  جلى Çelê ) أعلى السوق المركزية، مساحة شبه مربّعة تتألف من محلات متباينة الأحجام، وهي تضم ألبسة مختلفة:
ولادية، نسائية، رجالية، وأحذية، وماكينات خياطة، وبطانيات وستائر وسجائد وموبيليا وغير ذلك من الأثاث المنزلي والمواد المنزلية. إنها سوق مسقوفة، وهو ما ضاعف خطر الحريق وزيادة في الخسائر المادية وتلف المكان نفسه. ليداهمها الحريق عقب مغادرة أصحابها لها فجراً، مستعدين ليوم جديد، من العشْر الأخير من رمضان، وكل منهم يحلم بحصاد وفير، يدر عليه ربحاً، انتظره منذ شهور، وفي هذه الفترة بالذات، حيث أضيف إلى الموجود المزيد من البضائع، تقديراً للطلبات، دون أن يعلم أي منهم أن رياحاً ستجري بما لا تشتهي ” سفنهم”.. يا للمأساة !
ولأن البيت الذي أقيم فيه قريبٌ من موقع الكارثة النارية الصادمة، فقد سمعت صوت طائرة تحوم في المكان مستغرباً استمرارها في التحليق في دائرة مرسومة، تبينَ فيما بعد أنها كانت تحاول إطفاء الحريق، صحبة سيارات إسعاف وإطفائيات كان صوتها يتردد في المنطقة، ولم نكن ” نحن في البيت ” على علم بدورنا أن مأساة أخرى، بعد كارثة السيول ستهز دهوك وأبعد، وتنال من أهلها، ربما بشكل أكثر إيلاماً، لحظة ربطها بالمكان والزمان والخسائر المقدَّرة.
كما يقال، من المستحيل بمكان، التساوي بين رؤية الشيء وهو في معرض الكارثة، وعن قرب، ووصفه عن بعد، ومن خلال قراءة مدى تأثير الكارثة النارية على وجوه الجميع، وأصحاب المحلات وهم في ذهول مما يجدون أنفسهم فيه، ربما لأنهم لم يصدقّوا أن هذا الذي جرى يحصل بمثل هذه السرعة” الانفجار الناري ” وبمثل هذا الانتشار والتهام المحلات وجنباتها وتفحيمها.
كان الدخان يعلو المكان: دخان أسود يتحلزن ويتماوج عالياً ليخف ويتبيض تدريجياً حتى يختفي..
تقديراً لواجب إنساني ومحلي، وبدافع معرفي طبعاً، وعن قرب، وجدتني مندفعاً إلى المكان، وأنا ألتقي بتدفق أولئك الذين يتجهون إلى الرقعة المنكوبة، وكنت بينهم، وفي وجه كل منهم أمارات معينة من الفضول العادي إلى القلق المقروء واللون المخطوف…إلخ..
هناك مداخل لا يمكن ولوجها، حيث الإطفائيات واقفة، ورجال الإطفاء، عدا عن الشرطة التي جاءت تطوق المكان، للحيلولة دون التسلل إلى الداخل، والعبث بموجوداته وما هو منتشر في المكان، إلى جانب مسئولي المحافظة، وضمناً محافظ دهوك ” د. علي تتر ” ليتفقد ما حدث..
العيون كانت تجول في المكان المتعدد المداخل، ورؤية السقف متبايناً في انفلات ” صفائحه ” أو تكسرها، أو التوائها، وتسوّدها بسبب الحريق ودخانه، ولازالت آثار النار باقية من خلال أنفاسها الدخانية المنبعثة من الأعلى والأسفل، وحيث الماء المستحيل سواداً جرّاء الاختلاط بما احترق من ألبسة وأثاث منزلي وخلافه، والأكثرية كانوا شادين على صدورهم تحت هول الصدمة.
وكان وجوب الحذر في السير والتنقل داخل مكان الكارثة ضرورة قصوى، خشية انهيار سقف أو  تداعيه، أو وقوع صفيحة عالقة بأخرى في الأعلى، أو بسبب تناثر شظايا الزجاج المكسور في المكان، ممتزجاً بالرماد المحلول في الماء، والأرضية الزلقة، وفي اللحظة التي يستغرق الناظر في المشهد أحياناً ناسياً أنه في مكان يتطلب يقظة كاملة، ورغم ذلك، فإن ثمة حالة تبقي الناظر وهو مصدوم بالجاري، تنسيه هو فيه. ربما كنت بين هؤلاء وأنا أحاول التقاط صور، ونشر نماذج منها، تتنوع في أمكنتها، ومحتوياتها، وخاصيتها المكانية كذلك.. فكان ما كان..
ما وقع ليس فيلماً هيتشكوكياً بالتأكيد.. إذ إن ” مسرح النار ” المتنقل بين أمكنة في الجهة نفسها، وسنوياً، وكما الحال في هولير، ليس اعتباطياً، إذ يتساءل المرء عما جرى دون أخذ احتياطات لازمة في وضع كهذا. دهوك التي لم تصحُ من كارثتها المائية ” سيولها ” بعد، ها هي تدخل في زحام حدَاد ناري، ربما أشد وقعاً في المقارنة، جهة التوقيت ، وفي البيع والشراء..
في مقدور أي كان، حين يلمُّ بأبسط خاصية بنائية جهة السلامة، أن يتخوف مما يمكن أن يحصل.
السوق المسقوفة، كما ذكرت، والمسافة الفاصلة والمحدودة بين طرفي الممر الواصل بين كل مدخل ومخرج من السوق، وكثافة البضاعة ونوعيتها، كل ذلك كان له دور في وقوع كارثة كهذه، دون نسيان التذكير بأجهزة الإنذار الخاصة، وذلك الحرص المطلوب لتفادي ما حصل.
كما هو المألوف، مثلما أن الماء لا يقف في محله، طالما يتدفق أو تزداد كميته، وهو يبحث عن منافذ له، أو ثقوب أو ثغرات، وهو ينساب مأخوذاً بقانونه الطبيعي، هكذا النار، بدورها تأخذ بقانونها الطبيعي، لحظة النظر في الطاقة النارية وهي تزاد ضغطاً من الداخل، وبوجود الهواء المساعد على ذلك، واندلاع الحريق عبر ألسنة تتشكل قوة وضعفاً على وقع المنشّط لها. بالطريقة هذه، يمكن حساب انتشار النار والتهامها للموجودات، وتحول الضغط على المحلات من الداخل إلى انفجارات صغيرة تدفع بألسنة النار إلى نقاط أبعد بمواقعها، ولا شيء يوقفها، مادام هناك ما يساعد على بقائها مشتعلة، أو يزيد أوارها أرضية وسقيفة..
لا أستطيع القول بأنني حاولت مسح المكان بناظريّ قدر المستطاع، والتألم مما رأيت ودققت فيه، ذلك لا يتطلب تأكيداً، أو عراضة وجدانية. إنها واقعة مأساوية لا تترك أياً كان، وهو يضم داخله الحد الأدنى مما هو إنساني، دون إبداء شعور بالألم ومؤاساة المصابين .
في النظر إلى تلك الماكينات الجديدة وكيف شوهتها النار، والألبسة وكيف استحالت رماداً، أو كانت نصف محترقة، أو ملوثة، في تراكمها، والجدران التي غطاها السواد، ومشاهد التلف التي تظهِر الجاري في لوحة سريالية، لكنها حقيقية، منفتحة على بعضها بعضاً، يشعر الناظر بلاتناهي ضعفه، وما يسكنه من نسيان أو عدم أخذ ما يمكن أن يجري في الحسبان، ليس لمنع وقوع كوارث من هذا النوع: مائية أم نارية، إنما على أقل الأقل للتخفيف من حدتها وخسائرها.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف تُعد زيارة الرئيس البرزاني إلى دمشق من أهم المحطات السياسية في المرحلة السورية الراهنة، لأنها تأتي في مرحلة تتقاطع فيها قضايا بناء الدولة السورية، ومستقبل محافظة الحسكة والعلاقات الإقليمية، مع ملف القضية الكردية بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيدًا منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة. ولا تنبع أهمية الزيارة من شخصية البرزاني فحسب، بل من كونها تأتي…

صديق شرنخي المانيا / بوخم ليست كل الزيارات السياسية متشابهة؛ فبعضها يندرج في إطار البروتوكول الدبلوماسي، وبعضها الآخر يتحول إلى محطة مفصلية تعكس تحولات أعمق من مجرد لقاءات رسمية. ومن هذا النوع تأتي زيارة رئيس إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، إلى العاصمة السورية دمشق، فهي ليست مجرد زيارة بين مسؤولين، بل يمكن قراءتها بوصفها أحد مؤشرات المرحلة الجديدة التي…

حسن قاسم أعتذر إلى محمود درويش، لا لأن قصيدته “سجّل أنا عربي” تفتقر إلى الجمال، فهي من روائع الشعر العربي الحديث، بل لأنني أختلف مع القراءة التاريخية التي قد توحي بها لدى البعض، حين تبدو العروبة وكأنها هوية أصيلة ومتجانسة لمعظم شعوب المنطقة منذ فجر التاريخ. في تقديري، لا ينبغي أن يتحول الشعر إلى مرجع للتاريخ، لأن التاريخ أكثر تعقيدًا…

محمود أوسو تشكل القضية الكردية واحدة من أكبر المفارقات في السياسة العربية المعاصرة. فمنطقياً، ووفقاً لمعادلة عدو عدوي صديقي، كان ينبغي أن يكون الكرد حلفاء طبيعيين للأنظمة العربية في مواجهة التمدد الإيراني في العراق وسوريا ولبنان. الواقع يؤكد ذلك: القوات الكردية كانت الحاجز البشري الذي أوقف مشروع الهلال الشيعي عند نهر الفرات، وهي القوة التي فككت بنية داعش عسكرياً…