الأبطال والطغاة عبر التاريخ!

 

نظام مير محمدي* 

 

يميل الطغاة إلى خلق صورة الخلود لأنفسهم عندما يكونون في السلطة. ولكن بعد الإطاحة بهم، بعد فوات الأوان، أصبح ضعفهم وهشاشتهم أمرا لا يمكن إنكاره.
قبل ثلاثة وأربعين عامًا، خلال خطاب ألقاه في جامعة طهران، قال العضو البارز في منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، موسى خياباني، لأنصار منظمة مجاهدي خلق الإيرانية: “المستقبل ملك لكم. كونوا مؤمنين بهذا. تأكدوا أن المستقبل ملك لكم، للثوار. سيتم القضاء على القوى المميتة”.
واليوم، يمكن رؤية حقيقة تلك التعليقات في حالة الفوضى التي عمت نظام الملالي، والتي تعترف بها سلطات النظام.

 

في 29 ديسمبر/كانون الأول 2023، حذر محمد تقي أكبر نجاد، وهو رجل دين له علاقات وثيقة بسلطات النظام، من خطر الإطاحة بالنظام وقال: “إذا واصلنا السير على هذا الطريق، فإن سقوطنا أمر لا مفر منه… هؤلاء الناس سيوجهون الضربة بشكل غير متوقع. لقد أثبتوا عبر التاريخ أنهم سيوجهون الضربة على الفور”.
في الأول من يناير/كانون الثاني 2024، قال الصحفي شهاب طباطبائي لوكالة أنباء إيرنا الرسمية إنه “إذا حدث أي شيء في هذا البلد، فلن يفرق الناس بين ما يسمى بالإصلاحيين والمتشددين ستكون المسافة بين السيد محمد خاتمي (اصلاحي) والملا أحمد خاتمي (متشدد) ستة أعمدة الكهرباء.”!
هذه مجرد عينة من التحذيرات التي يطلقها مسؤولو النظام والمطلعون على بواطن الأمور، وهي شهادة على المعركة المستمرة منذ أربعة عقود بين الشعب والمقاومة الإيرانية من جهة، والنظام الإجرامي من جهة أخرى.
وكان الخميني مصمماً على تدمير منظمة مجاهدي خلق الإيرانية حتى آخر مؤيد يقرأ الجريدة اليومية للمنظمة (وعرفت هذه الجريدة في ثقافة المجتمع باسم “صحيفة المجاهد”).
لقد بذل الخميني قصارى جهده لتحقيق هذا الهدف، بما في ذلك المذبحة التي راح ضحيتها أكثر من ثلاثين ألف سجين سياسي في عام 1988. ولكن نظامه فشل في القضاء على حركة المقاومة وجذورها العميقة في المجتمع الإيراني.
وبعد هذه الهزيمة، غيّر النظام أسلوبه، فاستكمل التعذيب والإعدامات والاغتيالات، بالصمت التام عن التنظيم، بل وذهب إلى حد إنكار وجوده.
لكن النظام سرعان ما اكتشف أن هذا الجهد الضعيف للقضاء على منظمة مجاهدي خلق الإيرانية كان له تأثير عكسي يتمثل في حشد المزيد من الناس للمقاومة الإيرانية.
واضطر النظام إلى مراجعة سياسته وفي 24 يونيو 2022، قال كاظم غريب آبادي، النائب الدولي لرئيس السلطة القضائية في النظام، للتلفزيون الرسمي بأنّ: “في فترة كان الاعتقاد أنه لا داعي لذكر منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. ولكننا لا نصدق ذلك الآن.” وأضاف: “لا يوجد اجتماع لا نناقش فيه حول منظمة مجاهدي خلق الإيرانية”.
في 18 يوليو 2022، قال جواد موغوئي، أحد دعاة النظام وصانعي الأفلام، خلال مقابلة: “خلال التسعينيات، كانت سياسة التلفزيون هي عدم الحديث عن منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، وقد تم الانتهاء منها. وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أعادوا بناء أنفسهم في الرأي العام. ما هي القضية الرئيسية خلال انتخابات 2017؟
إعدامات 1988 [يشير إلى مجزرة عام 1988لأعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية]”.
وفي ذلك الوقت، أصبح دور إبراهيم رئيسي في إعدام أعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية قضية خلافية رئيسية، وأكسبه لقب “آية الله إعدامات” و”رئيسي الجلاد”.
وک‍ذلك قال منافسه في الانتخابات، الملا حسن روحاني، في خطابه الانتخابي في مدينة همدان التي شغل ابراهيم رئيسی منصب المدعي العام في عام 1981: “إن الشعب مطلع وواع و لا يصوت لمن لا يحمل في سجله سوى سجن الناس واعدامهم”!
وكانت هذه إشارة واضحة إلى إبراهيم رئيسي، الذي عمل مدعيًا عامًا في المدينتين المهمتين في إيران، وهما كرج وهمدان، في عامي 1981 و1982، وعمره آنذاك لا یتجاوز 19 عامًا، وبعد ذلك تولی مناصب قضائية متوالية، واشتهر باعدامه الواسع للسجناء السیاسیین من مجاهدي خلق.
وظهرت هذه القضية مرة أخرى في طاولة مستديرة متلفزة في 2 أغسطس 2023، عندما ناقشت لجنة من محللي النظام دور منظمة مجاهدي خلق الإيرانية في إيران.
وقال محمد قوجاني، أحد المشاركين في المناقشة، “علينا أن نعلم أن قضية مجاهدي خلق هي قضية يومنا هذا وليست مجرد قضية تاريخية”.
وللقضاء على هذه القضية، حشد النظام كل قواه وموارده داخل إيران وخارجها، وأنفق مبالغ هائلة لنسج الأكاذيب، وإنتاج الأفلام والمسلسلات التلفزيونية، وتأليف مئات الكتب، وإقامة محاكمة هزلية لأعضاء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية لتشويه سمعة وصورة المقاومة الإيرانية.
لكن كما كان من قبل، جاءت جهودهم بنتائج عكسية، لدرجة أن غلام علي حداد عادل، رئيس المجلس (البرلمان) الأسبق، قال: “إن عدم المعرفة بجرائم [منظمة مجاهدي خلق]، وهذا نتيجة ضعف الجهود للجهاز الثقافي والإعلامي في السنوات الماضية، أثر على حكم الناس تجاه [منظمة مجاهدي خلق الإيرانية]”.
وهذه شهادة نهائية على خطاب موسى خياباني الذي قال قبل 43 عامًا: “لا يمكن تدمير منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، قد تقتلنا، قد تسجننا، ولكن لا يمكن تدمير منظمة مجاهدي خلق الإيرانية. ألم يثبت هذا في الماضي؟
وسيبقى هذا الاعتقاد لأنه عادل. وسوف تجد طريقها في المجتمع والتاريخ. وإذا سقط هذا العلم من أيدينا اليوم فسوف تنتشله يد أخرى. لذا، من حقنا أن نكون متفائلين. من حقنا ألا نخاف من الخطر وأن نحتضنه. من حقنا أن نضحك على المؤامرات وصانعي المؤامرات”.
واليوم، وبعد مرور 42 عاماً على قتل النظام موسى خياباني في طهران في 8 فبراير 1982، لا يزال النظام يغرق في مستنقع أزماته وفشله في إطفاء شعلة المقاومة، بينما يواصل الشباب في جميع أنحاء إيران إحياء ذكرى خياباني والاحتفاء بتضحيات شهداء منظمة مجاهدي خلق الإيرانية.
وهذا هو المعنى الحقيقي لـ “الأبطال والطغاة عبر التاريخ”!
*كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

زاهد العلواني – القامشلي ليس من العدل، ولا من الوفاء، أن يُختصر تاريخ شيوخ القبائل وأغوات العشائر في الجزيرة السورية بكلمة عابرة أو حكم متسرّع من قِبل جاهل لتاريخ الجزيرة . هؤلاء الرجال كانوا أعمدة الأرض يوم كان النظام يحكم بأسم البعث، رغم ذلك كانوا صمّام الأمان حين اشتعلت الفتن. هم من أصلحوا بين الناس، وحموا الجار، وأغاثوا الملهوف، وفتحوا…

شادي حاجي تدخل سوريا مرحلة يُعاد فيها تعريف شكل الدولة وصلاحياتها وموازين القوة. وفي قلب هذا التحوّل تقف القوى الكردية، بمختلف أحزابها وأطرها السياسية، أمام اختبار حقيقي: هل تكتفي بإدارة الواقع، أم تعيد بناء نفسها لتكون شريكاً فعلياً في صياغته؟ أول الطريق هو الاعتراف بالتحديات: فجوة ثقة بين القواعد والقيادات، وبين القيادات والشعب، وضعف في المؤسسية، واستقطاب سياسي يبدّد الطاقة،…

نورالدين عمر التقديس في جوهره هو إضفاء صفة “العصمة” أو “الألوهية” أو “الرفعة المطلقة” على شيء ما (شخص، فكرة، أو نص)، بحيث يخرج من دائرة النقد والمساءلة إلى دائرة التسليم التام. سأحاول توضيح بعض الفوارق الجوهرية بين التقديس الديني والتقديس السياسي، وكيف يتحولان إلى حجر عثرة أمام التغيير:   أولاً: التقديس الديني: ينبع عادةً من الإيمان بوجود مصدر إلهي…

عنايت ديكو بعد الانتصارات الكوردستانية اللافتة في الانتخابات العراقية، وصعود نجم الحزب الديمقراطي الكوردستاني مجدداً، حاولت تركيا وإيران، إلى جانب الجماعات الشيعية والسنية العروبوية في العراق، تطويق هذا الانتصار القومي والتاريخي الذي تحقق لـ هولير، لما يحمله من دلالات استراتيجية تعيد الاعتبار للمشروع الكوردي بوصفه رقماً صعباً في معادلات الإقليم. ونتيجة لهذه الاستحقاقات وتأثيرها المباشر على كوردستان سوريا،…