كرد و ترك و عرب

ابراهيم خليل
roni_ebrahim@hotmail.com

ما يحصل الآن في المنطقة من تصعيد تركي بخصوص حزب العمال الكردستاني و تهديداتها باجتياح إقليم كردستان يثير إشكالية كبرى في المنطقة تتعدى الحدود العسكرية و السياسية و حتى الجغرافية و تتجاوزها إلى العلاقة ما بين شعوب المنطقة المتجاورة مع بعضها البعض منذ قرون طويلة و هذه الشعوب التي لم تختر هذه الاشكال من التعايش بشكل كيفي بل ظروف التاريخ التي وضعتنا في منطقة أحالتها الأطماع الإمبراطورية للبعض إلى بقعة صراع لم تهدأ طبول حروبها و جعلت من هذا الخليط من الشعوب وقودا لصراعات دائرة رحاها مع اختلاف أشكالها السياسية إلى يومنا الراهن.
فتركيا التي تعاني من هزاتها السياسية بقدر ماعانت من هزاتها الارضية منذ مرحلة أفول شمس إمبراطوريتها التي نجح مصطفى كمال بألباسها ثياب الخواجة دون أن ينجح بقص اللحى العثمانية التي كانت تذكره بهزيمة جلالتها فراودته أحلامه المغولية بأن يستيقظ يوما على وقع حوافر خيل أسلافه من جنكيز خان و تيمورلنك و يطور من فكرها القومي ليقتدي بها أمثال هتلر فيما بعد.
تورغوت اوزال أيضا راودته نفس الأحلام و بطريقة جديدة فتذكر يوما بأن جدته كردية فأعلن خوفه على صحة أقربائه الأكراد متمنيا لهم العيش في مصحات جبلية ليهنؤا بالنسائم الجبلية العليلة بعيدا عن روائح النفط الكريهة و غازاتها السامة في كركوك فاغتاله جنرالاته لجرأته على هذه الاعترافات و أتوا ببطلهم  فاتح قبرص أجاويد ليلاحق أوجلان.
و الآن تمرغ الأنف التركي المتبجح بالتراب الكردي فثارت عنجهيتهم لتتوهج أحلام العسكر بإحراق الأخضر و اليابس على دعامة تلامذة اربكان الذي أضاعوه من قبل آملين إن يلبسوا اردوغان  زي جنرال.
اردوغان الخائف من فخ ما يجره حزب العمال الكردستاني و هذا الفخ يتجاوز مفهوم العمل العسكري فهو في قرارة نفسه لا يمانع بهدلة العسكر و لكنه خشي على نفسه من تجربة شبيهة بتجربة حماس و انقلاب يخطط له فانكفأ على نفسه يبحث عن مخلص ما فأين سيجده.
العسكر يعلنون بصراحة بأنهم سيحاربون كردستان حتى لو كانت في إفريقيا هذا ما تخشاه تركيا ضياع فكرها الاتاتوركي في فوضى الحرب العالمية الثالثة و في الوقت الذي أصبح فيه للقطط الكردية قيمة حقيقية و في الوقت الذي أصبح فيه الكردي معادلة صعبة بعد أن كان مجرد ورقة لعب على طاولات القمار السياسي.
الصراع التركي التركي ليس مجرد لعبة عسكر و حرامية فالجنرالات يجذبون (الديمقراطية) إلى ركن العلمانية المزعومة التي لا تنجح إلا بتأجيج المخاوف الدينية و البعبع العرقي و التيارات المدعية لليبرالية تجرها رويدا رويدا نحو إيجاد دور لها في عالم لم يقبلها بعد و أحزاب علمانية منافقة لا تبحث سوى عن ادوار بطولة في مسرحية فنتازية مكررة ملت الجماهير من حضورها.
أما حزب العمال الكردستاني الذي كلما حاول أن يجدد نفسه يعود إلى ثيابه القديمة محاولا الدخول من عنق الزجاجة الضيقة للعملية السياسية التركية المقفلة أمام كل ما هو كردي يبدو محتارا ما بين خياراته العسكرية التي يجبر عليها و ما بين عزلة مفروضة على قائدها المنفي.
أما الولايات المتحدة الأميركية التي لا تريد أن تخسر طفلها المدلل العاق فترى بأنه بحاجة إلى تأديب ما فجاءت الصفعات باقتراح النواب بتقسيم العراق ثم أكملت بتبني قرار يعتبر مجازر الأرمن إبادة جماعية ثم تلتها صفعة قوية من ال pkk  لتهز بطولات جنيت أركان في مقتل.
المحللون السياسيون العرب الشوفينيون القدامى العثمانيون الجدد نكاية فقط بالأكراد يصرخون مطالبين تركيا بالتخلص من الإرهاب الذي وصفوه من قبل مقاومة حين كان الآخر عربيا أو شيشانيا أو بوسنيا أو…..

الخ كما تباكوا من قبل على عروبة العراق و هم الآن يتضامنون مع من يريد استباحته و ها هم الآن يتباكون على الأبطال الذين قتلوا أطفال الكرد في ملاحم الأنفال.
هل هم يحنون إلى أيام السفر برلك ؟؟؟؟؟؟
أربعة و عشرون دولة عربية صامتة مثلما يصمتون على ما يجري في دارفور أيضا و هنا السؤال ماذا لو كانت دارفور في قارة أخرى ماذا لو كان الأكراد في عالم آخر و حزب العمال الكردستاني كان حزب العمال الأفغاني حينها كنا سنسمع (خطابات) التنديد و الاستنكار و لكن أن يقتل الكردي فهذا شأن داخلي ثم يلومون الآخرين على ازدواجيتهم.
سرد صديق لي ذات مرة عن خبير أجنبي كان يعمل معهم حين رأى شخصين يتعاركان فسأله الخبير لماذا يتعاركان فأجاب قائلا يبدو أن هناك مشكلة أو اختلاف ما بينهما سبب هذا العراك فسأل الخبير لماذا لايحلان خلافهما بالحوار فأجابه صديقي قائلا أننا في الشرق نتعارك أولا ثم نجلس و نتحاور و نحل المشكلة.

هذا هو المبدأ القاتل المتعشش في نمط حياتنا المخيفة فهل فات الأوان أم سيكون هناك أمل في ظهور رجال شجعان كديغول مثلا يتخذون قرارات صعبة ليحرروا أنفسهم قبل غيرهم من عقدة الذنب في عالم يسعي فيه الجميع إلى العيش بكرامة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

وليد ابراهيم المبررات التي ساقتها قناة شمس على لسان مديرها بشان عدم بث المقابلة التي اجرتها القناة مع الرئيس السوري احمد الشرع، لم تكن مقنعة. ماحدث يعطينا صورة اخرى للشكل الذي انتهى اليه الإعلام في عالمنا اليوم بعد ان اكتشفت دوائر صنع القرار السياسي في كل مكان ان المعركة الحقيقية للدول اصبحت معركة اعلامية. وماحدث في أربيل في اليوميين الماضيين…

تتابع حركة السِّلم الداخلي (BAN)، وهي إطار مدني يضم مثقفين ومحامين وأكاديميين الكورد في كوردستان والشتات ، ببالغ القلق والاستنكار التطورات الخطيرة التي شهدها حَيّا الشيخ مقصود والأشرفية الكورديّان في مدينة حلب، حيث تعرّضت أحياء مدنية مأهولة بالسكان لعمليات اقتحام عسكرية واستخدام للأسلحة الثقيلة، أسفرت عن مقتل مدنيين كُرد عُزّل، والتنكيل بهم، وارتكاب انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان، إضافة إلى تدمير…

صلاح عمر   ما يجري اليوم على شاشات قنوات مثل الجزيرة والعربية والحدث لا يمكن قراءته بوصفه “تغطية إعلامية” بالمعنى المهني، بل هو أقرب إلى إدارة معركة سياسية ـ نفسية ضد طرف بعينه، هو قوات سوريا الديمقراطية، ومن ورائها الوجود الكردي كله في سوريا. نحن أمام حملة منظمة، لها سردية واحدة، ولغة واحدة، وخصم واحد، مهما اختلفت الشعارات. هذه…

شكري بكر انطلاقا من الواقع المأساوي التي تمر بها الحركة السياسية الكوردية في سوريا، وهي مرحلة حساسة ودقيقة، ومن خلال المتابعة نلاحظ أن جميع القوى السياسية الكوردية في سوريا تتحدث مطالبة بوحدة الصف والموقف الكورديين. في هذا الصدد يذكر أنه في عام 2011 وفي الشهر السابع منه صدر عدة بيانات باسم مجموع الاحزاب الكوردية في سوريا، والذي كان مؤلفا من…