(سَرْخَتْ.. بنْخَتْ) خط فاصل بين الروح والجسد

 عزالدين ملا

تمرُّ أوقات على المرء، وتخرج من فاهه كلماتٍ ومصطلحاتٍ دون أن يعي، ويتمعن في بعدها الكارثي عليه وعلى ملّته أو شعب ما.
من أكثر الشعوب التي تتمسك بمصطلحات معينة الشعب الكوردي، جاءت هذه التسمية (سةرخةت وبنخةت) قبل ترسيم الحدود، أي أنها جاءت بعد إنشاء هذا الخط الحديدي الذي فصل فيما بعد الروح الكوردي عن جسده، وكان يتم تداوله أكثر الأحيان عند مجيء زوار من الشمال أو عند ذِكِر معارفهم وأقربائهم الموجودين في الشمال، كانوا يقولون في المضافات هؤلاء ضيوفنا من سرخت أي من شمال سكة القطار الحديدي. 
مصطلح سرخت وبنخت كُردي، وكل كلمة تتألف من قسمين، (سَرّ أي فوق وخَتْ أي السكة الحديدية، وسرخت تعني شمال الخط، وبِنْ أي تحت وخت أي السكة الحديدية، وبنخت تعني جنوب الخط وهي للتعبير عن شمال وجنوب الخط الحديدي لقطار الشرق السريع الذي تمَّ بناؤه في بداية القرن العشرين.
درجت هذه التسمية منذ بداية انشاء السكة الحديدية للقطار، واصبحت الخط الحديدي الحدود الفاصل في ما بعد بين الدولتين تركيا وسوريا.
عندما كنت صغيراً، كان يتكرر كلمة (سرخت وبنخت) مرارا وتكرارا على مسامعي، وخاصة عند زيارة أقاربنا من الطرف الآخر للخط الحديدي، أي من الجهة التركية، هذا الخط لـطالما لعبنا فوقه، أبي كان يحدثنا عن تلك السكة، وآهات الحزن تخرج من أعماق صدره، كانت من أجمل أماكن اللعب لدي، دون أن أدرك أن مكان لعبي وسعادتي يعد من أتعس الأماكن الذي قصم ظهر الكوردي. وفي بعض الأحيان أردد وأنطق بهذه الكلمتين سرخت وبنخت دون أن أعي معناهما، فقط عند زياراتهم، أفرح بمجيئهم وأصيح فرحاً، أهلنا من سرخت يزورنا، والمسافة بين قريتنا وقرية أولاد أعمامي لم تكن تتجاوز الواحد كيلو متر، ونحن كنا نبادر الزيارة بالمثل في كل الأوقات، نسير تلك المسافة إما مشياً أو على ظهر الدابة، ونمرُّ من فوق الخط الحديدي للوصول إلى القرية، وهكذا إلى أن كبرت.
هنا، الحديث لأبي، بدأت خيوط المعاني تتوضح، رويداً رويداً تظهر الهالة المعاناتية الكوردية لدي، وعمق الشرخ التي أحدثته هاتان الكلمتان، والذي فاق مداركي، وتحوّل ذاك الفرح والسعادة بمجيء الأقرباء إلى حزن شديد، ولِما تتضمنهما الكلمتان من معاناة وظلم كبيريتين الذي لحق، ومازال يلحق بالشعب الكوردي.
حتى هذه اللحظة، معظم الشعب الكوردي في الجهتين الكوردستانيتين، الجزء الكوردستاني في تركيا والجزء الكوردستاني في سوريا، يلفظونها دون أن يدركوا بعدها التاريخي، والذي يفصل بين كل الاضطهادات والمظالم المئة السنة الذي مرَّت على الشعب الكوردي، وبين الفصل القهري الذي فرّق بين الأب وابنه والأخ وأخته وهكذا إلى أن اصبحوا غرباء عن بعضهم البعض، سوى الاستذكار لِما مضى من صلة الأرحام.  
منذ نشأة هاتين الكلمتين بعد اتفاقية سايكس بيكو ولوزان المشؤومتين لم تشهد المناطق الكوردية استقراراً حقيقياً وواضحاً. منذ ذاك الوقت لا تزال تُفرز تفاعلات وأحداثاً تتمدد وتنكمش، أي حركة تهتز وتتوتر كـ النابض، اهتزازاتها وأحداثها تتسم بالنمط التشاؤمي الحزين، نتيجة للخلل الواضح الذي أنتجته الحكومات المستبدة بإنشاء مستوطنات التعريب، في بنية وتركيبة هذه المناطق. في كل مرحلة من مراحل التي مرت بها المنطقة، اختلفت التوازنات الاقليمية وازدادت التدخلات الخارجية، ولكن بقي الخوف من الوجود الكوردي على طرفي الخط.
لنعد إلى بداية تنفيذ مشروع قطار الشرق السريع الذي نفذته الإمبراطورية الألمانية بالتعاون مع الدولة العثمانية آنذاك وروسيا القيصرية، رغم تغيير مسار هذا الخط الحديدي عدة مرات، والتي كانت تسير حسب المنعطفات السهلية والوديان، وكأنّها أنشئت من أجل الفصل بين الخاصرة الكوردية، ومعظم من عملوا في البناء كانوا عمالًا من الكورد والأرمن، بما معناها بأيدي كوردية رسمت الحدود بين سوريا وتركيا، وتجزأت كوردستان الشمالية عن كوردستان الغربية دون أن يعوا ذلك.
عند القول، الروح والجسد، لأن منطقة بنخت كانت امتداداً طبيعياً وروحياً للكورد في سرخت، حيث بنخت منطقة خضار ومياه ومرتعاً للرعي والتنفس في أوقات الربيع. الروابط الاجتماعية بين الطرفين قوية، الخط أحدث شرخاً بين العائلة الواحدة. 
من هنا، وعند السؤال أي كوردي في بنخت أي الجزء الكوردستاني الملحق بسوريا، عن أصله وفصله، يذكر أنه من اصول العشيرة أو القبيلة الفلانية وتكون تلك العشيرة أو القبيلة أساسها وموطنها في جزيرة بوطان أو ديار بكر أو مهاباد أو ماردين أو نصيبين. وفي المقابل إن سألتَ أي كوردي في المناطق التي ذكرناه، سيكون رده بأنّ ساكني كافة المناطق وبلدات والقرى في بنخت كلها امتداد لعشائرنا وقبائلنا، وإن تلك المناطق هي المتنفس الروحي لتاريخنا الكوردي.
تعتبر المناطقة الممتدة على جانبي الخط الحديدي لقطار الشرق السريع امتداداً طبيعياً وسكانياً متكاملاً لا يتجزأ، وما تمّ ايجاده من بقع ملونة ليست سوى أساليب الأنظمة المستبدة والعنصرية المتعاقبة على سلطات تلك المناطق. وستبقى (سرخت وبنخت) جهتين متماسكتين ومتحدتين لا يتجزأان، كما اتحاد الروح والجسد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالله كَدّو على مدى أكثر من عشر سنوات، جرى التذكير مرارا بأن المكون العربي هو الذي أمسك بزمام الحكم في سوريا منذ إعلانها دولة بحدودها الحالية. وقد حدث ذلك بصرف النظر عن تولي بعض الشخصيات من أصول كردية، أو من أصول غير عربية أخرى، مناصب رسمية لفترات محدودة ولأسباب سياسية لا يتسع…

ابراهيم برو مع الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، نترحم على ارواح عشرات الالاف من الشهداء ونشارك فرحة السوريين بطي صفحة النظام البائد، خاصة هذا العام مع اقتراب عيد الفطر وعيد النوروز. شكلت الثورة منعطفا مهما للقضية الكردية، فنقلتها من الانكار الى الاعتراف، بفضل الجهود الدبلوماسية لممثليها الذين حملوا صوت الكرد الى المحافل الدولية من جنيف وأستانا الى نيويورك والرياض…

شيروان ملا إبراهيم شهدت المنطقة في السنوات الثلاث الأخيرة أحداثاً متسارعة، إيجابية وسلبية، أثّرت في جميع الأطراف من دون استثناء. سقطت جهات وأنظمة نهائياً، وتصدّر فاعلون ولاعبون جدد المشهد في الشرق الأوسط. وكان لإقليم كوردستان نصيبٌ إيجابي من التغييرات التي طرأت على خريطة النفوذ الجديدة في المنطقة، ولم يكن ذلك ضربةَ حظٍّ أو نتيجةَ مصباحٍ سحريٍّ، بل ثمرة عمل سياسي…

جمال ولو في ذلك الربيع المسموم عام 1988، حين توقفت الساعة عند شهقة الرضيع، لم يكن الموت مجرد غازٍ غادر، بل كان محاولة بائسة لخنق صرخة الحرية في حنجرة الجبل. حلبجة لم تكن مدينة سقطت، بل كانت قرباناً عُمّد بالدم ليبقى اسم “كردستان” محفوراً في ذاكرة الأزل. ترتيلة الوفاء يا ساسة الدار، يا حراس الحلم في القلاع.. إن ريح “سيروان”…